الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٣

المبحث الثاني: المذهب المالكي

ابن خلدون تعتمد على المعطيات الحضارية والجغرافية والطبوغرافية، ولذلك اعتمد في تحليله على هذه الأسس وقد سبق له اتهام العرب بقلة الفهم في الحضارة أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب؛ والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقا وجبلة»، ولربما أزعج ابن خلدون سرعة التخريب للمعالم الحضارية بعد هبوط المؤشر البياني لانتهاء الوجود الإسلامي في الأندلس، والحق أن العرب من دون الإسلام صفر مهما تجمهرت أعدادهم، فلا يشكلون رقمًا ذا قيمة وكان بإمكانهم تثمير القدرات الحضارية والعمرانية للأمازيغ، إلا أن ولاة بني أمية كانوا مشتغلين بتخميسهم وسوق جواريهم إلى الشام، وتم تصنيفهم بأنهم بربر متوحشون، ليقنعوا العالم بأن معاملتهم بالقسوة والغلظة له ما يبرره ولذلك كان الفارق واضحًا بين امتداد الإسلام في الشرق على يد الصحابة أيام الخلفاء الراشدين وامتداده في الغرب على يد الأمويين.

ولنأت الآن إلى تحديد أماكن الانتشار:

انتشر المذهب المالكي بداية في المدينة المنورة على يد الإمام مالك نفسه، لكنه تعرض لمنافسات عديدة من المذاهب الأخرى من بينهم الشيعة القادمين من أهل قاشان (1)، وقد ساعد سيطرتهم على زمام المدينة في ذبول المذهب المالكي وانحساره إلى أن عادت إليه الروح

(1) المعيار المعرب 450/ 2. وقاشان بالشين المعجمة وآخره نون مدينة قرب أصبهان، من مدن الجبال في إيران تقع جنوبي مدينة قم، اشتهرت في ديار الشرق بقرميدها الذي يقال له (القاشاني)، قال الإدريسي ومدينة قاشان صغيرة القطر عامرة بالناس وبها متاجر وصناعات وبناؤها بالطين انظر: معجم البلدان (296/ 4)، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (ص 221).