الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢

الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي

نصوص

ومن أجل هذا كان النبي يعقد لأصحابه جلسات العلم المستمرة، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وفي كل مشهد من مشاهد اللقاء العلمي يعطي النبي أصحابه إشارة واضحة إلى العلل والمناطات بما يمكنهم مستقبلًا من مواجهة مستجدات الحياة بنفس تلك القواعد والأصول، فإذا أرسل أحدهم داعيا إلى بلد من البلدان تحسس قدراته الاجتهادية، واطمأن إلى فقهه في الدين، ففي الحياة نوازل قد لا يجد فيها الداعية حكما في الكتاب والسُّنَّة فلا بد أن يجتهد رأيه ليستنبط من روحهما كما فعل مع معاذ بن جبل له، وقد كان ذلك بمثابة تأسيس مصطلح الفقيه، وإسناد مهمة التبليغ والتعليم إلى طائفة مخصوصة من الناس؛ ففي حجة الوداع قلد النبي هذه الطائفة وسام التبليغ ومهمة الدعوة والإصلاح، فكان مما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فإنه رُبَّ حامل فقه ليس بفقيه ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (1)، وواضح من هذه الكلمات أن استيعاب الرسالة المحمدية ومد شعاعها إلى العالمين يحتاج إلى فهم عميق وإصغاء دقيق للحكم والمناطات، فالأحداث المتسارعة على وقع الحياة تدفع في كل عصر بل في كل يوم بالمستجدات الحثيثة والنوازل الكثيرة؛ فكان لا بد لفقهاء هذه الأمة أن يتصدوا لها بما فهموه من كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيه وما توفر لديهم من أدوات الاجتهاد المقررة.

ومن هنا كان للفقهاء مكانة سامقة في الأمة الإسلامية، فرضت لهم احترام الناس وتقديرهم، فهم مبلغون عن الله، وموقعون عن رب العالمين،

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب العلم، (162/ 1) رقم (294)، وقال: إنه على شرط الشيخين فوافقه الذهبي، وأحمد (183/ 5 رقم: (21630)، وصححه الأرنؤوط. وفي نص

أحمد نصر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره».