الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣

المقدمة

ولقد حتّم عليهم هذا الواجب الشريف أن يمدوا الأمة بالكتب الفقهية المحكمة، وأن يصفّوا علومهم التي تناقلوها عبر الأجيال في مجلدات أو مختصرات، حتى يسهل على طالب العلم استيعابها وحفظها، ويسهل على الفقهاء اللاحقين الإفتاء بها والإفادة منها.

جمع

ولقد ظلت القرون الثلاثة الأولى تشتغل بالمطولات الفقهية؛ طمعا في المادة العلمية التي أفرزتها الفهوم الحكيمة، وقصدًا إلى رفد الأجيال اللاحقة بغزارة ما أنتجته قرائح المجتهدين من هذه الأمة، حتى زاد ذلك عن حد الاستيعاب، ورأى فيه اللاحقون صعوبة الفهم والاستحضار، خاصة بعد ما تقرر العمل بفقه عدد من الأئمة المجتهدين، فكما قيل: إن ديوان الإمام جابر بن زيد كان يضم أجزاء ضخمة من فتاوى الصحابة وأقرانه التابعين تحمله سبعة أبعرة، كما نقل عن الإمام مالك إلى العراق وحدها سبعون ألف مسألة، وإلى الحجاز والمغرب أمثال هذا الرقم ثم جمعت في مجلدات أقوال تلاميذه الكبار، فكثرت فيها الأقوال والترجيحات؛ مع ما جعلها صعبة المنال شديدة المحال، فانبرى مجموعة من العلماء إلى وضع منهج جديد يعتمد على اختصار المطولات، وتقريب مضامينها إلى طلبة العلم، أو تأليف كتب مختصرة تأخذ مادتها الراجحة منها، فلا تشتغل كثيرًا بالأدلة وكثرة التفريعات والخلافات تسهيلا لطلبة العلوم وتحبيبًا في العلم الشرعي كما يرومون وقد ساعد على ذلك انقطاع الاجتهاد وإغلاق، بابه واستقرار الناس على مذاهب معينة بالإضافة إلى ضعف الحال

ضخمة

السياسي.

وليس بعيدا عن هذه الأجواء المذهب الإباضي فقد اشتغل علماؤه في القرون الثلاثة الأولى بتأليف الجوامع الحاصرة، ترص بين سطورها أقوال أساطين المذهب من أمثال الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد، وأبي عبيدة