القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧المقدمة
مع النص في عدد كبير من الكتب عُرف الكثير منها في أوساط المدارس الفقهية بينما ظل العدد الآخر محجوبا.
عرفت هذه المدرسة فيما بعد بالمدرسة الإباضية، وهي نسبة صحيحة، لأن عبد الله بن إباض الذي تعود إليه النسبة لم يكن سوى فرد من
أفراد المدرسة، وإنما أوكلت إليه مهمة التفاوض المباشر مع سلطة بني أمية آنذاك حتى عُرفت المدرسة به، ولم يجد الإباضيَّة غضاضة في التسمي به لأنه أيسر من نسبتهم إلى الخوارج. وعلى كل حال ففي القرن الرابع الهجري عندما كانت المدارس الفقهية قد وصلت إلى مرحلة الاستقرار في التأصيل والتقعيد، واعتمدت لها منهجًا خاصًا وكتبا مرجعية تجمع معتمدات المذهب في شتى أبواب الفقه كان المذهب الإباضي أيضا قد حظي بمؤلفات من هذا النوع، وأشهرها كتاب مختصر «البسيوي الذي كان صاحبه معاصرًا للعلامة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني، وقد وضع هذا الأخير أيضا معتمدات المذهب المالكي في رسالته المشهورة.
وقد رأيت أن أقوم بتحقيق مختصر البسيوي ومقارنته في التأصيل ومعتمدات الأقوال برسالة ابن أبي زيد القيرواني، وسوف يضعنا البحث بحول الله أمام تقارب كبير بين المذهبين إلى حد الزعم بأنهما قد خرجا فقها وتأصيلا من مشكاة واحدة، وما ذلك إلا لروح التلاقي بين المذهبين والتعايش السلمي والعلمي بينهما في المغرب الإسلامي، أضف إلى ذلك منهج المدرستين المازج بين الحديث والفقه. ويُعد «مختصر البسيوي» من أحسن المؤلفات جمعًا وتحقيقا في المذهب الإباضي، يجد فيه المتعطش لعلم الشريعة ما يروي ظمأه ويشبع رغبته.
2 ـ ويكتسب هذا التحقيق أهميته من كونه يسعى إلى خدمة التراث الإسلامي وخاصة في قرونه الأولى عندما بدأت معالم المدارس الفقهية