القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٥المبحث الثاني: العلاقة الفكرية
175
أن مراعاة ترتيبها ووقائع تطبيقها يرى القاضي عياض أنها مما تميز المذهب وتزيد من رصيده في الأصول: «إن ترتيب الاجتهاد على ما يوجب العقل، ويشهد له الشرع تقديم كتاب الله على ترتيب أدلته في الوضوح من تقديم نصوصه، ثم ظواهره ثم مفهوماته. ثم كذلك السُّنة على ترتيب متواترها ومشهورها و آحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السُّنَّة. وعند عدم هذه الأصول كلها القياس عليها والاستنباط منها؛ إذ كتاب الله مقطوع به، وكذلك متواتر السنة وكذلك النص مقطوع به فوجب تقديم ذلك كله، ثم الظواهر، ثم المفهوم في دخول الاحتمال في معناها، ثم أخبار الآحاد معناها، ثم أخبار الآحاد - عند عدم الكتاب - والمتواتر منها. وهي مقدمة على القياس لإجماع الصحابة لي على الأصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر الثقة، وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك. ثم القياس آخرًا عند عدم هذه الأصول على ما مضى عليه عمل الصحابة لله ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلى مذاهبهم أجمعين. وأنت إذا نظرت لأول وهلة إلى منازع هؤلاء الأئمة ومآخذهم في الفقه واجتهادهم في الشرع وجدتَ مالكا رحم الله ناهجًا في هذه الأصول مناهجها، مرتبا لها مراتبها، ومداركها مقدمًا كتاب الله على الآثار. ثم مقدما لها على القياس والاعتبار، تاركًا منها ما لم يتحمله الثقات العارفون بما تحملوه أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ثم كان من وقوفه في المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالح. وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضين» (1).
(1) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (16/ 1).