القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٣المبحث الثاني: العلاقة الفكرية
183
کالمالكية، كما أن كثيرًا من فقههم مبني على الاحتياط بسبب تأثرهم بالإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1)، ولكن أين هذا من ما ذكره ابن حزم عنهم أنهم يتيممون على الآبار.
ولربما عذر ابن حزم في ذلك أن الأندلس بها مجموعات منفصلة عن الإباضية يسمون بالنكار ـ وقد أشرنا إليهم سابقا - وهؤلاء استقلوا بفقههم وعقيدتهم عن الإباضية حيث اتبعوا عبد الله بن يزيد الفزاري في العقيدة، وقد كثر أتباعهم ورحل الكثير منهم إلى الأندلس (2)، وهؤلاء هم الذين يعرفهم ابن حزم وشاهدهم في الأندلس؛ فقد قال في نفس الكتاب: «وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السُّنَّة أصحاب عبد الله بن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي» (3) ويؤكد ذلك في رسالته أيضا (4)، ثم يقرر هذا في كتابه فيقول: كما أن النكار من الإباضيَّة هم الغالبون على خوارج الأندلس. وقالت
(r)،
:
(1) كان «أبو عبيدة» شديد الاحتياط في الدين وخصوصًا فيما يتعلق بالطهارة والعبادات لدرجة أن خيار بن سالم أحد أصحابه قال له يوما لو كنت نبيا ما أجابك أحد، أنت تشدد على الناس، وكان يشدد على نفسه كثيرًا فلما سمع حيان الأعرج وهو أحد معاصريه بإحدى فتاويه المتشددة قال: لقد أشقانا الله في ديننا لو كان الأمر كما يقول أبو عبيدة؛ ولعل علماء الإباضية الأوائل بنوا قواعد المذهب على مبدأ الاحتياط الذي ألزم به «أبو عبيدة نفسه انظر سيرته في سير الشماخي. (2) يمكن معرفة تفاصيل ذلك بالرجوع إلى كتاب الوجود الإباضي بالأندلس، للأستاذ يحيى محمد بكوش، حيث ذكر العديد من القبائل الإباضية بالأندلس، بل قد أسسوا لهم هناك دويلات مستقلة، كدولة بني برزال ودولة بني دمر ومما يؤكد عدم معرفة ابن حزم بهذه الطوائف؛ هل هي إباضية وهبية أم نكارية؟؛ أنه يذكر بأن قبيلة بني برزال الذين أسسوا لهم دولة مستقلة عام 400 هـ، إباضية، بينما يذكر ابن خلدون أن هذه القبيلة في المغرب الأوسط كانت نكارية أصلا. ينظر: الوجود الإباضي في الأندلس (ص 13)، جمهرة الأنساب لابن حزم ص 498، تاريخ ابن خلدون (72/ 7).
(3) الفصل في الملل والنحل ابن حزم، ج 2، ص 89.
(4) رسائل ابن حزم (114/ 2).