القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠240
الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي
ومناقشتها، فهو يفترض الحجج والأدلة على أسلوب حواري هادئ هادف، يردفه بالرد عليها، بغية وصول المعلومة إلى قارئها وصولا صحيحًا لا مرية فيه (1)، وقد تكون هذه الأسئلة مما كان يثيره على تلاميذه في الدروس ويلقيه في أوساطهم للمناقشة واختبار المقدرات العلمية.
وأمثال هذا النوع من العلماء محبوب الأسلوب عند التلاميذ لكسره حاجز الخوف وخفايا السكوت، وقد كان للإمام مالك من أجل هذه الغاية وغيرها أسلوب فريد في رواية الموطأ «فبينما كان جمهور علماء الحديث في زمانه ـ وبعد زمانه - مفضلين لمنهج سماع الطالب من شيخه، اختار لنفسه قراءة طلابه عليه وسماع عرضهم عليه، ودافع عن اختياره هذا ردحًا من الزمن، قال مطرف: «صحبت مالكًا تسع عشرة سنة، فما رأيته قرأ على أحد كتاب الموطأ، وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول لا يجوز العرض»، ويبرر الإمام مالك منهجه في ذلك بقوله: إن الراوي ربما سها أو غلط فيها، فيقرؤه بنفسه ولا يرد عليه الطالب السامع ذلك الغلط لخلال ثلاث: إما لأن الطالب جاهل فلا يهتدي للرد عليه وإما لهيبة الراوي وجلالته، وإما أن يكون غلطه في موضع صادف اختلافًا فيجعله خلافًا توهما أنه مذهبه فيحمل الخطأ صواباً، قال: وإذا قرأ الطالب على الراوي، فسها الطالب أو أخطأ رد عليه الراوي لعلمه مع فراغ ذهنه أو يرد عليه غيره ممن يحضره لأنه لا هيبة للطالب، ولا يعد له أيضًا مذهبًا في الخلاف إن صادف بغلطه موضع اختلاف، فالرد عليه متوجه» (2).
(1) المنهج الفقهي للشيخ أبي الحسن البسيوي، السيابي، ص 219. (2) للتوسع في منهج الإمام مالك حول هذا الموضوع ينظر: «منهج دراسة نصوص الحديث النبوي مقدمة نظرية ونماذج تطبيقية الدكتور إدريس الخرشافي، ط 1، مطبعة أنفو - برانت، فاس ص 22، 23، 24. وينظر أيضًا: اصطلاح المذهب عند المالكية، د. محمد إبراهيم علي ص 43 - 45.