القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧مقدمة تمهيدية
277
القرن الرابع الهجري، أو يمكن القول بأواخر القرن الثالث الهجري. ويعتبر الجحوي أن القرنين الثالث والرابع هما قرنا شيخوخة الفقه الإسلامي، وذلك لعدة أمور:
أولها شيوع التقليد بين العلماء حتى اضمحل الاجتهاد المطلق من الأمة شيئًا فشيئًا آخر القرن الثالث، ولم يبق في جل الرابع مجتهد مطلق. الثاني: ظهور فساد الأخلاق.
الثالث: إنه في القرن الرابع بدأت فكرة الاختصار والإكثار من جمع الفروع بدون أدلة، وشرح تلك المختصرات (1).
ومما شجع على فكرة التقليد هو اشتداد النزاع بين أهل الرأي وأهل الحديث في أوائل العصر العباسي حيث انحاز لكل جانب فريق مخصوص، واختص كل إمام بتلاميذه يتلقون عنه المسائل الفقهية وينهجون منهجه في الأصول والأدلة التي بنى عليه اجتهاده، فكان من نتيجة ذلك أن بدأت مذاهب هؤلاء يتميز بعضها عن بعض، وتأخذ في الذيوع والانتشار، عن طريق التلاميذ والأتباع. ومن هنا أن الفقه يتبين بأشواط متعددة، وتقلب
في أطوار ومراحل مختلفة» (2).
ولقد تحدث العلماء كثيرًا عن أسباب جمود الفقه عند المذاهب المتبوعة، وخلو الساحة العلمية من مجتهد مطلق بعد ذلك، فبالإضافة إلى ما سبق يرى بعض الباحثين أن ضعف الخلفاء العباسيين وانقسام الأمة إلى إمارات ودويلات حال دون استمرار الاجتهاد في الفقه على المستوى الذي
(1) الفكر السامي (181/ 3 - 182). (2) ابن القاسم وأثره في الفقه المالكي (12/ 1)، نقلا من كتاب «المختصرات الفقهية في المذهب المالكي ص 535.