القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٨278
الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي
كان عليه أيام قوة الخلافة وتماسك الدولة). غير أن ابن خلدون يرى أن قفل باب الاجتهاد سببه الخوف من تصدر من ليس أهلا للإفتاء ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم. وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم. ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم. وعمل كل مقلد قلده بمذهب من منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه غير هذا (2).
أهله،
وعلى كل حال فإن القرن الرابع شهد بعد ذلك مؤلفات تعنى بظاهرة الخلاف بين الفقهاء المتمذهبين ومدى اتفاقها واختلافها مع أقوال الأئمة المجتهدين الذين لم يتوفر لهم حظ الاتباع بالإضافة إلى اهتمامها بظاهرة الخلاف حتى بين أعلام المذهب الواحد، وخاصة تلاميذ المتبوعين: كالكتب التي ألفها أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر (ت: 319 هـ) وهي الإشراف على مذاهب أهل العلم»، و «الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف»، و «اختلاف العلماء». وصنّف الطحاوي الحنفي (ت: 320 هـ) كتبه المشهورة في الاختلاف شرح معاني الآثار»، و «اختلاف الفقهاء»؛ ويقعُ كل منها في عدة مجلدات.
وتختص المرحلة ما بين القرنين الرابع والسادس بانقلاب الاختلاف من
(1) المختصرات الفقهية في المذهب المالكي ص 573. نقلًا ص 573. نقلا عن قواعد الفقه المالكي من خلال كتب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب رسالة دبلوم الدراسات
العليا، كلية الآداب، محمد الروكي.
(2) مقدمة ابن خلدون (448/ 1).