القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦286
الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي
وليس مسلك البسيوي نوعًا من التعصب بل هو خيار استراتيجي للحفاظ على هوية المذهب الفقهية والسياسية؛ لأن غالب المذاهب اندثرت بسبب عدم وجود فقهاء ناصحون يؤلفون ويحررون كما حدث لمذهب الأوزاعي والبصري وأبي ثور والطبري وغيرهم. وهو نفسه الذي شعر به أبو إسحاق الحضرمي الإباضي في حضرموت عندما قال في مقدمة كتابه «مختصر الخصال»: «فقد دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب خشية انطماس أصول الإباضية في الأمصار وتقييدها في الأسطار، وخيفة الرّغبة عنها في معقل الدعوة الأصليّة … لأني شاهدت قوما ممّن ينتمي لديننا زاغت بهم الأهواء عن قصد السلف الصالح، فلما خشيت هؤلاء وأمثالهم أن يزيغوا بما استخفوا به من الخلاف، ويستميلوا قلوب الضعاف، صرفت عناني إلى تصنيفه لترسخ الأصول في أماكنها، ويتعلّق بها أهل دعوتها … » (1).
ومع
هو
هذا الخيار الاستراتيجي فإن البسيوي كما الحال عند علماء الإباضية - حتى وهم يعيشون أوج قوتهم في القرن الرابع الهجري - لا يغمزون المذاهب الأخرى بالسلب والانتفاص؛ وإنما يكتفون بتحرير أقوال المذهب والانتصار لها بالدليل، بخلاف من أثرت على قلمه حدةُ المنافسة، وانظر مثلا ما قاله الإمام الغزالي عن الإمام أبي حنيفة: «ولا أكترث بمخالفة أبي حنيفة فيها فإني أقطع بخطئه في تسعة أعشار مذهبه الذي خالف فيه خصومه، فإنه أتى فيها من الزلل في قواعد أصولية يترقى القول فيها عن مظان الظنون؛ كتقديم القياس على الخبر ورجوعه إلى الاستحسان الذي لا مستند، له وزعم أن الزيادة على النص نسخ في مسائل ذكرناها، وتمسكه بمسائل شاذة في خرم القواعد، فليس الكلام معه فيها في مظنة
(1) مختصر الخصال، ص 6.