القسم الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥=
45
(13) بَابٌ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ وَاحِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَاختَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَصَحْحَهُ الشَّيْخُ عامِرٌ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، احْتَجُ الْقَاتِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ} [البقرة: 238]؛ إِذِ الْوُسْطَى لَا تَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَهَا عَدَدٌ مُسَاءٍ لِمَا بَعْدَهَا، وَتَسْمِيَتُهَا مُتَوَسْطَةٌ إِذْ هِيَ بَيْنَ شَيْتَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلِ الله لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَتْرَ. وَبِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَكُمْ، فَاعْبُدُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةٌ بِهَا أَنْفُسُكُمْ، وَأَطِيعُوا وَلَاةَ أُمُورِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ». فَقَوْلُهُ: «إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتِ»، وَقَوْلُهُ: «وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ» يَدُلُّ عَلَى أَنْ الْفَرَائِضَ خَمْسٌ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَكَانَ بَعْثُ مُعَاذٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ اللهم بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَفِي مُوَطَّأَ مَالِكِ: «أَنَّهُ لا تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَادٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَرُوِيَ: «أَنَّهُ الله قَامَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: «خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ اللهُ قَالَ: «ثَلَاتٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعًا: قِيَامُ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلاهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ فَتُقَاسُ عَلَى النَّافِلَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ الأَحَادِيثُ الْمُتَعَارِضَةُ، فَمَنْ رَأَى أَنْ الزِّيَادَةَ هِيَ نَسْخُ وَلَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ قُوَّةً تَبْلُغُ بِهَا أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةُ لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الْمَشْهُورَةِ رَجْحَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: «أَنَّهُ لَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَيْ»، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي النُّقْصَانِ أَظْهَرَ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ النَّسْخُ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ قُوْةُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي اقْتَضَتِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِ إِلَى رُتْبَةٍ تُوجِبُ الْعَمَلَ أَوْجَبَ الْمَصِيرَ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ، لَا سِيْمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنْ الزِّيَادَةَ لَا تُوجِبُ نَسْخًا، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ أَبُو ستة وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي تَارِكِهِ، هَلْ يَكْفُرُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ أَوْ لَا؟ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِكُفْرِهِ إِلا كَفَرَ النِّعْمَةَ كَمَا يُعَبِّرُ بِهِ الإِبَاضِيَّةُ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ الْعَاصِي، وَعَلَى هَذَا
=