الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٠

مختصر البسيوي

الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ: وَيُمَثْلُهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْأَحْنَافُ وَالْإِمَامِيَّةُ، وَهَؤُلَاءِ يَرَوْنَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِجَمِيعِ أَنْحَاءِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ الاِقْتِصَارِ عَلَى التُّرَابِ فَقَط، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا: «التُرَابُ وَالرَّمْلَ وَالْحَشِيسُ وَالشَّجَرُ وَالمُلْجُ وَالْمَطْبُوخُ كَالْجِصِّ وَالْآجر، وَقَالَ النُّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَجُوزُ بِكُلِّ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى الشَّجَرِ وَالثَّلْجِ وَالْجَمَدِ. وَنَقَلَ النَّقاسُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَابْنِ كَيْسَانَ جَوَازَهُ بِالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَعَنْ إِسْحَاقَ مَنْعُهُ بِالسَّبَاحَ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ الْمَغْسُولِ، وَالْجِصَّ وَالنُّورَةِ، وَالزَّرْنِيخ، وَالْكُحْلِ، وَالْكِبْرِيتِ، والتوتيا، وَالطِّينِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، وَالْحَائِطِ الْمُطَيِّنِ وَالْمُجَصَّصِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزُّبَرْجَدِ، وَالرُّمْرُدِ، وَالْبَلْخَشِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْمَرْجَانِ، وَالْأَرْضِ النَّدِيَّةِ، وَالطِّينِ الرَّحِبِ». هَذِهِ مَجْمُوعُ الْمَوَادُ الَّتِي قَالَ بِهَا بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ وَلَكِنْ بَعْضَهُمْ يَسْتَثْنِي مِنْ هَذِهِ الْمَوَادِّ

بَعْضَهَا، وَيَحْتَجُونَ لِرَأْيِهِمْ هَذَا بِعَدَدٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ: أ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي مُحْكَم كِتَابِهِ: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) وَالصَّعِيدُ هُنَا كَمَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَاحْتَجُوا لِذَلِكَ بِتَفْسِيرِ الزُّجَاجِ لِلصَّيْدِ بِأَنَّهُ كُلُّ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا)؛ أَيْ: أَرْضًا غَلِيظَةٌ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا وَقَالَ تَعَالَى: {فَنُصْبِحَ صعيد از لقا) وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: كَأَنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدُ به دَبَّابَةٌ فِي عِظَامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ أَصْوَاءِ الْبَيَانِ أَنْ تَفْسِيرَ الصَّعِيدِ بِوَجْهِ الْأَرْضِ هُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَيْضًا.

ب - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَإِنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِم بِلَفْظَةٍ كُلُّهَا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى طَيِّبَةً» كَمَا بَيْنَا سَابِقًا، وَهَذَا عَامٌ فِي الْأَرْضِ وَمَا عَلَى وَجْهِهَا، يَقُولُ الْجَصَّاصُ: وَهُوَ يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ أَحَدُهُمَا: إِخْبَارُهُ أَنْ الْأَرْضَ طَهُورٌ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ طَهُورٌ بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ، وَالْآخَرُ أَنْ مَا جَعَلَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَسْجِدًا هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ طَهُورًا وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ هُوَ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ مَسْجِدٌ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ بِحَقِّ الْعُمُومِ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيْبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْ أَعْرَابًا أَتَوُا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَكُونُ فِي هَذِهِ الرِّمَالِ لَا نَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِينَا النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ»، فَأَفَادَ بِذَلِكَ جَوَازَهُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ أَجَزْنَا التَّيَمُّمَ بِالْحَجَرِ وَالْحَائِطِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ مُخْتَلِفَةٍ وَلَا يُخْرِجُهَا اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا مِنْ كَوْنِ جَمِيعِهَا صَعِيدًا.