الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧١

71

(18) بَابٌ فِي التَّيَتُم وَأَحْكَامِهِ

الْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَيُمَثْلُهُ الشَّافِعِيُّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْإِبَاضِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ آحَادِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى كَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْأَحْنَافِ، وَاحْتَجْ هَؤُلَاءِ بِمَجْمُوعَةِ أَدِلَّةٍ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَيْضًا وَمِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ: أ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَإِنَّ الصَّعِيدَ كَمَا فَسَّرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ مُشْتَرِكُ بَيْنَ التُّرَابِ وَوَجْهِ الْأَرْضِ وَالطَّرِيقُ كَمَا نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنِ الْعَرَبِ، فَلا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلِ، وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى التُّرَابِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسِ مَا لِلصَّعِيدِ بِأَنَّهُ حَرْتُ الْأَرْضِ. ب - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُمْسَحَ بِمَا لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بَعْضُهُ بِالْعُضو و (من) هُنَا لِلتَّبْعِيض كَمَا قَالَ الزُّمَخْشَرِيُّ فَيَتَعَيْنُ أَنْ تَكُونَ فِي التُّرَابِ، وَأَيْضًا فَإِنْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) وَالطَّيِّبُ هُوَ التَّرَابُ

الْمُنْبِتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَلَا شَكُ أَنْ الْحِجَارَةَ لَا تُنْبِتُ. وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ تُرْبَتُهَا» مُقَيْدَةٌ لِمُطْلَقِ الرّوَايَاتِ الْأُخْرَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي الْأُصُولِ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيْدِ فَيُقَيْدُهُ إِذَا اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ، أَوْ مُخَصْصَةٌ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى يَقُولُ الْفَخْرُ الرَّازِي فِي مَجْمُوع كُلِّ هَذَا: «وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ احْتَجُ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنْ هَذِهِ الْآيَةَ هَهُنَا مُطْلَقَةٌ وَلَكِنَّهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ مُقَيْدَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} وَكَلِمَةُ (من) لِلتُبْعِيضِ وَهَذَا لَا يَتَأَنَّى فِي الصَّخْرِ الَّذِي لَا تُرَابَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ إِن كَلِمَةَ (من) لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: «لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ وَمِنَ الْمَاءِ وَمِنَ التُّرَابِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْإِنْعَانُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ مِنَ الْمِرَاءِ». الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ اللَّهُ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَوْنَ الصَّعِيدِ طَيْبًا وَالْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ هِيَ الَّتِي تُنْبِتُ بِدَلِيل قَوْلِهِ: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الْأَعْرَافُ: 58] فَوَجَبَ فِي الَّتِي لَا تُنْبِتُ أَنْ لَا تَكُونَ طَيِّبَةً فَكَانَ قَوْلُهُ: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) أَمْرًا بِالتَّيَمُّم بِالتُّرَابِ فَقَطْ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فَإِنْ قَوْلَهُ: صَعِيدًا طيبا) أَمْرٌ بِإِيقَاعِ التَّيَمُّم بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، وَالصَّعِيدُ الطَّيِّبُ هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا سَبَخَةَ فِيهَا وَلَا شَكُ أَنْ التَّيَمُّمَ بِهَذَا التَّرَابِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِقَاعِدَةِ الاِحْتِيَاطِ لَا سِيْمَا وَقَدْ خَصْصَ النَّبِيُّ لا الهلال التُّرَابَ بِهَذِهِ الصَّفَةِ فَقَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا» وَقَالَ: «الثَّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ (يُنْظَرُ: عُمْدَةُ الْقَارِي،10/ 4، أَضْوَاءُ الْبَيَانِ،3551، يُنْظَرُ الْمَجْمُوعُ 246/ 2، التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ 92/ 10، - (311/ 1)، الْمُحِيطُ الْبُرْهَانِيُّ لِلْإِمَامِ بُرْهَانِ الدِّينِ ابْنِ مَازَةَ - (167/ 1)، الْمَعَارِجُ

الْمَاءَة.

((49/ 3) -