الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١١٥

(29) بَابٌ: فِي ذِكْرِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ

115

الرَّحِيمِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الصَّلَاةِ. وَمَا كَانَ يُقْرَأُ فِيهِ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ سُورَةٌ أُخْرَى فَمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَأَقْرَهُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: (20) وَقَوْلِهِ: فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ) [المزمل: 20]؛ أَيْ: أَقِيمُوهَا بِتَمَامِهَا فِي أَوْقَاتِهَا، فَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ

هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا ريْرَةَ: إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، قَالَ: فَغَمَزَ ذِرَاعِي، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فارِسِيُّ». (المُوَطُأُ - رِوَايَةُ يَحْيَى الليثي، بَابُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ

-

84/ 1 رقم 188)). (1) هَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأُمَّةِ الإِسْلامِيةِ مُنْذُ عَصْرِ التَّابِعِينَ وَقَدِ اسْتَقَرُّوا فيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ فَيَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ جَهْرًا فِي الْجَهْرِ وَسِرًّا فِي السِّرّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِبَاضِيَّةِ وَالشَّافِعِيةِ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَعَلَيْهِ قُرْاءُ مَكْةَ وَالْكُوفَةِ وَفُقَهَاؤُهُمَا، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِي هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ؟ أَمْ هِيَ آيَةٌ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ فَقَطْ، وَمِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ؟ فرُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا. الثَّانِي: تَقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ وعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. الثَّالِثُ: لَا تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ جَهْرًا كَانَتْ أَوْ سِرًّا، لَا فِي اسْتِفْتَاحِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك. قَالَ الْخَطِيبُ: وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَفُقَهَائِهَا وَالْأَوْزَاعِيِّ. يَقُولُ ابْنُ أَبِي زَيْدِ الْقَيْرَوَانِيُّ: «فَإِنْ كُنْتَ فِي الصُّبْحِ قَرَأْتَ جَهْرًا بِأَمْ الْقُرْآنِ لَا تَسْتَفْتِحُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا»، وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا آبِلٌ إِلَى شَيْتَيْنِ، أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَالثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ فَصْلَ أَصْحَابُ كُلِّ مَذْهَب حُجْتَهُمْ بِمَا يُغْنِي عَنْ سَرْدِهَا هُنَا. (يُنْظَرُ: بِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ وَنِهَايَةُ الْمُقْتَصِدِ - (106/ 1)، الْمَعَارِجُ - (19/ 1)، رِسَالَةُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ - (26/ 1)، الْمَجْمُوعُ شَرْحُ الْمُهَذَّبِ - (333/ 3)، الْمَبْسُوطُ لِلسَّرَخْسِي - (26/ 1)، الْمُغْنِي - (340/ 2)).