الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي: مختصر البسيوي ورسالة ابن أبي زيد نموذجًا علي بن محمد بن علي اليحمدي البسيوي أبو الحسن

القسم الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٩

المبحث الأول: المذهب الإباضي

59

يسير

وعلى هذا فإن تأليف كتاب مخصص لتاريخ النشأة مستبعد في تلك الفترة، ولربما تم ذلك لكن الذي وصل إلينا مما يتعلق بهذا الجانب نزر معظمه في كتب كتب الموسوعات الفقهية، وبعض السير التي دونت على طريقة المراسلات القديمة (1)؛ وكلها مُجمعة على أن البداية كانت على يد التابعي الشهير جابر بن زيد الأزدي العُماني، تجد ذلك واضحا في مسند الإمام الربيع بن حبيب الذي يروي أحاديثه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد، ثم مدونة أبي غانم الخرساني التي ألفت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري؛ وهي تحكي أجواء التفاعل العلمي بين تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن

(1) إضافة إلى هذا فإن التاريخ الإباضي تقل فيه العناية بحياة الرجال والجوانب التاريخية لأدوارهم. ولهذا الضمور أسباب كثيرة لعل أهمها هو فقدان الكثير من الكتب التي دونها هؤلاء في أحقاب تاريخية مختلفة، ثم إهمالهم هذا الجانب لاحقا بعد اندثار الكثير من الدول التي أقاموها في الشرق والغرب؛ وإلا فإن محاولة تدوين السيرة جاءت مبكرة في هذه المدرسة، فأقدم كتاب تاريخي وصل إلى المكتبة الإسلامية هو سيرة سالم بن ذكوان وقد دونها في نهاية القرن الأول الهجري، يحكي فيها الأحداث التي داهمت المسلمين في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ثم الأحداث التي تلاحقت من بعده إلى زمن المؤلف، ولعل أفضل ما يميز هذه السيرة هي أنها تجمع بين السرد التاريخي المجرد والنقد العلمي لتفاصيل تلك الأحداث. ثم دوّن أبو سفيان محبوب بن الرحيل أحد علماء المدونة سيرته الشهيرة عن رجال المذهب وفي مقدمتهم أبو عبيدة وعلاقة البصرة بعمان والمغرب العربي، ومثله فعل أبو أيوب وائل الحضرمي أحد علماء المدونة أيضا، وهذه السير توجد منها نقول كاملة في كتب الإباضية، وقد توالت السير الأخرى منذ تلك الفترة كما تذكر المؤلفات اللاحقة، وإن كان بعضها أو جلها بالأحرى محجوب

عنا إلى اليوم. وفي القرن السادس الهجري لاحظ أبو يعقوب الوارجلاني أن تاريخ الإباضية يخلو من كتب تتحدث عن الرواة وضبطهم، وذلك عندما قام بجمع وترتيب الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب أحد علماء المدونة، فألف كتابًا في أسماء الرواة ودرجاتهم من العدالة والضبط، وهذا الكتاب لا يزال أيضا مخطوطا لم ير النور.