الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٧-
117
-
لأن
إليه عند الله ما رآه بالعدل أعدل، لأنه موضع فرضه الذي أوجبه عليه وتعبده به، فلذلك كان ما كان، لأنه لا يكون العدل في اختلاف الرأى عنده إلا فى واحد ولو كان الأمر كما يقول، لاحتمل في كل رأى أن يكون في نفسه هو الخطأ، كما يحتمل أن يكون هو الحق: وإن كان المختلف فيه غير منفك في الحقيقة عن أحد ما نص عليه، لكونه لا يعدو إلى وجه غير ما قيل فيه: وإن كان المحتملات لغيرها من الوجوه، احتمل أن تكون الآراء كلها، فيما هي فيه غير الحق الذى مع الله، والحق في ذلك غيرها لم يصب بعد، ويستمر على مر الزمان على هذا الممر من أشكال الاحتمال، ويحكم بها الحكم على هذا في ذلك هكذا، دأبا إلى يوم القيامة، ولو بولغ فيه الجهد لإزالتة بكل حيلة، لما زال، لأنه لا يكون لو كان في حكم المستلزم لها في كل حال، والمستصحب لها على كل حال، علم الله غيب، لا يطلع على شيء منه إلا ما دل الوحى، والوحى الصريح قد انقطع بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما يزول عنه، فيخرج منه وبأى حيلة يدفع عنها على هذا إن صح فيرفع، لقد عزت الحيل وانقطعت السبل، فيبقى على قوله القائل بالرأى، أو العامل به محصورا في مضائق الشك فى أمره وسلوكه إلى ربه، حيران فى الأرض، أعمى تائها في بيداء جهله، يسعى فلا يدرى أهو على هدى أو في ضلال، يروم الممالك فيخطئ المسالك، فيقع في المهالك، لا محالة عن ذلك لأنه لا يسلم من أن يتحرى فيما لا يعلم. هيهات أن يكون ينساغ جوازه في حق أولى النهي، من أهل الله أهل الهدى، ذوى الأفئدة المبصره، والبصائر المستبصره. أفمن كان على بينة من ربه كمن هو أعمى؟ كلا، هل يستوى الأعمى والبصير؟ أم هل تستوى الظلمات والنور؟ إنما يتذكر أولوا الألباب على أنهما لا يستويان، بلى، ولأن في تجويزه على عدل الاختلاف من الرأى ما يقتضى تسويغ الضلال، والعمل الله فى الباطل على الحقيقة بالباطل، فأي شيء في العقول أقبح من تجويز هذا فى الله أن يكون منه على أمره لعباده به إليه، والله العدل والحق والصواب والهدى لا يأمر، أتقولون على الله مالا تعلمون؟
بغير