الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧١163
-
فاستأذنُوكَ لِلمُخْرُوج (الآية (1) واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد، ورآه مسدداً فيه، مبالغاً في تقرير موجباته، فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه، وأن محترز عن مصاحبته. ومنه رأيت فى بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم، وذلك لأنهم لا يقدرون على التركيبات العجيبة. وحكمة الهند فى أو هامهم، وحكمة يونان في أفئدتهم، ولذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية. وحكمة العرب في ألسنتهم، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم. ومنه: أما الذين في قلوبهم مرض، يدل على أن الروح لها مرض، ومرضها الفكر والأخلاق الذميمة، وصحتها العلم والأخلاق الفاضلة:
قال الشيخ سعيد بن أحمد الكندى: ومنفعة السلطان للرعية إذا كان مر هو باً معهم تقيا، وإلا كان فتنة عليهم.
:
:
رجع: ومنه الحجة الثانية عشرة: دلت الدلائل على أن العلم محدث قادر، ويجب أن يكون عالما لأن الفعل المحكم المتقن، لا يصدر إلا من العالم. ويجب أن يكون غنيا عنها وإلا لكان قد خلقها في الأزل، وهو محال. فثبت أن لهذا العالم إلا قادرا غنيا، ثم لما تأملنا قلنا: هل يجوز في حق هذا ا. الحكيم الغنى عن الكل أن يهمل عبيده ويتركهم سدى، ويجوز لهم أن يكذبوا عليه. ويبيح لهم أن يشتموه ويجحدوا ربوبيته، و يأكلوا نعمه، ويعبدوا الجبت والطاغوت (2) ويجعلون له أندادا، وينكرون أمره ونهيه، ووعده ووعيده؟ فهاهنا حكمت بدائه العقول بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه الجاهل، البعيد من الحكمة، القريب من العبث. فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن له أمرا ونهيا، تم تأملنا: هل يجوز أن يكون له أمر ونهى، مع أنه لا يكون وعد ووعيد، فحكم صريح العقل بأن ذلك
(1) من الآية رقم 83 سورة التوبة.
(2) الجبت والطاغوت: يريد الأصنام وما: يعبد من دون الله.