الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦198
-
الغيب
يقرب مما ذكرت، إلا أنه فى الحقيقة أن العبد لا يعلم بما علم الله منه، وله وما يصير إليه أمره أمره، وينتهى إليه غاية حاله في الآخرة، لأن علم محجوب عنه، وأما في مجاز الكلام، فعسى أن يكون إذا عرف العبد من نفسه الطاعة، والمودة لله تعالى، وإخلاص العمل له، أن يكون رجاؤه في القرب من الله؛ أكثر ممن ينتهك المحرمات، ويعمل السيئات، فعسى أن يكون على هذه الصفة، ومن كان بهذه الصفة فهو لا يطمع بالقرب الله، وربما دنا إلى القنوط وهو بحر الهلاك، من غرق فيه لم يرج له منه خلاص، والرجاء هو بسفينة النجاة من ركب فيها رجيت له السلامة والوصول إلى دار الكرامة. والله أعلم.
من
مسألة
: ومنه: وفى التنعم فى هذه الدنيا بالمأكول الحلال، وبالنساء والملبوس الحلال، والمنام والراحة من غير معصية، وغير ترك لازم، أغنى التنعم بالمأكول بطيب مضغه، أو يشبع من سائر الأطعمة، لا لشيء من الأمور إلا شراهة نفس، أيباغ بالعبد إلى مأثم؟ ولوم عند الله تعالى أم لا؟ قال: الأصل فى ذلك اعتقاد العبد ونيته فإن أراد التنعم في المأكول والملبوس والمنكوح والمنام راحة النفس ورضاها بما تشتهى. فأرجو أن ذلك مما ينهى عنه، وربما شدد فيه خوف جموح النفس وطموحها إلى مالا يحل لها ومثل النفس كالدابة الجموح، إذا أشبعتها بالعلف المعتاد الكد، ففى غالب الأحوال أنه يتولد منها تغيير عن
وأزحتها من والمراد بها، وربما حدث منها المضرة بصاحبها، وامتنعت من الانقياد له، وتصعبت عليه. وأما إن أهانها بكثرة الكد، أو تقليل العلف، خضعت له وذلت، وصرفها إلى ما يريد منها. وربما اختلفت أحوال الناس باختلاف طبائعهم وتباين أخلاقهم، فمنهم من يستقيم أمره على إهانة النفس وتذليلها، بترك الشهوات وترك النوم و التجرد للصوم والعبادة، وإن أراحها طمحت كما ذكرناه. ومنهم من يستقيم دينه على التنعم وطيب المأكول والملبوس والنوم والراحة، وإن خالفها بترك ذلك واستعملها
1