الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤226
-
الله تبارك وتعالى احتج على كل أناس بما يعقلون عنه، لأنك لو دعوت الجاهل إلى ما خص به العالم لبهت الحامل وتحير فى أمره، ولكنها هي سبل يسرها الله تعالى بفضله فكل يدعى إلى ما يعقله منها، فما يكون موافقاً لأصلها غير مخالف لطريقة أهلها، فإذا دعوتهم إلى أمر واحد، وحملت جاهلهم علم عالمهم، افترقوا وتشاقوا. وإذا دعوت كلا إلى ما يعقله
مما لا يكون مخالفماً لأصل الدين، وسلكت بكل واحد ما يسعه في الدين
،
وقع الاتفاق وسلّم الجاهل للعالم ما هو أهله، وكان له تبعا، وعمل بما قال وسأل عما جهل من أمر دينه ووقعت الألفة، وتولى الناس بعضهم بعضا، وقوى الدين وعلت حجة المسلمين. ولذلك قال الشيخ فإن اجتماعهم إثبات للحق أي تقوية له وإعانة لأهله، وإزالة الباطل إضعاف لأهله وإخماد ناره، هذا فيما معى مراده، ليس إن الحق لا يثبت إلا إذا اجتمعوا عليه، بل الحق ثابت ولو كان في يد أمة سوداء مجدوعة الأنف في رأس جبل، وخاصمها أهل الأرض كلهم لكانت هى حجة الله الثابتة وما سواه مبطل.
وأما قوله وهو أوضح سبيل يستبين بخاصتهم، فمعنى والله أعلم أن لأنهم
-
دعوة الحق تكون أقوى وأبين مع المخاصمة لما يعرفون من عدلها، مقوام بحقها والعالمون بمجملها ومفسرها، وسائر الناس إنما هم مسلمون لهم، راضون بحكمتهم حيث أقاموا حجة الله واتبعوا سبيله. ولهذا قلت لك لكل شيء خاص وعام من جميع أحكام الإسلام. وأما قوله على أتتهم منه الحق إذا ركبوا فمعى و الله أعلم - أنهم أهل الحكمة أئمة الحاصة والعامة والقوام بحجة الله التامة، عليهم أن يكونوا مجتهدين لسبيل طاعة الله عاملين بكتابه، داعين إلى عدله وصوابه، بألسنتهم إذا قدروا، وبأفعالهم إذا لم يقدروا، لأن لسان الحال واحد من لسان المقال، فحجة الله تقوم بأفعالهم كما تقوم بأقوالهم. وأما قوله: والتنبيه للناس على فساد أمرهم بالتعريض إذا ضاق والتصريح إذا أمكن، فعسى والله أعلم أن التنبيه هو إيقاظ للغافل من غفلته، وإرشاده إلى ما فيه نجاته وهدايته، وذلك عند
ربهم،