الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦١-
353
-
دهم
وعظم شأنهم عند لكثرة الاجتهاد عن محض الوداد بالفؤاد، بواطنهم لطهارة قلوبهم وتمكنهم لصفاء أذهانهم من رؤية شوم المخافة بغير الحق، وإن كان فيما هو من الشعر أدق ومن الماء أرق،
،
ويرونها على حال كالرواسي من الجبال، فيشمئزون منها، وتتشعر جلودهم لذكرها، وقبح أمرها، وثقل إصرها، لا كمن يراها مثل ذباب وقع بأنفه فأطاره ثم نسيه في موضع ما يكون الله محصيه، على ما أناه فيجزيه به شراً فيخزيه في يوم لا ظلم فيه، كلا بل او جلا ألبابهم من العمى بأنوار الهدى، فهم يرون الانحطاط عما كانوا به في المنازل العلية، أعظم بلية، وأشد رزية، يقتضى كون العويل في زمن الطويل ضرورة لا يقدرون على دفعها، ولا الفرار منها، ولا التحول عنها، بعد كون المخافة المكدرة اعين الصفاء، في حق أهل الوفاء، كلما ذكروها تجدد لهم بها تذكار ذنبهم، فأووى بهم خوفاً من ربهم، فاشتد لذلك الخشوع وزاد السجود والركوع وكثر الحنين وطال الأنين، وعلا الزفير لقوة لواعج ضرامها فى الصدور، ولا بأس فإن لهم فيه بذل الوزر أعظم الأجر، لأنهم على صراط مستقيم، فلا يريدون به إلا وجهه الكريم، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. فإن شرب من فضل كأسهم يوما فدع عنك المراء على سبيل الإنكار، لما جاء في الأخبار من أحوال الأنبياء، وغيرهم من الأولياء، بغير علم بشيء من جميع ما روى عنهم، وأمكن فجاز أن يكون منهم: فإن طلب العلا من العبيد لم يقنع في حين إلا بالمزيد، فكيف يقر له على النقص قرار، أو يهنا بعيش أو تلذ له دار من دونه، عند من كان من أولى الألباب على الصحيح نزع الروح حتى ترجع على ما كان فيه، فيكون عليه طالبا لما علا، قاصدا نحو العلى، حبا مولاه وشوقاً إليه. هذا وإنى بعده لأقول: اللهم اجعل لعبدك الراجع من فضلك الواسع ذنوباً مثل ذنوبهم، عسى ولعل أن يخشع حتى يغشى بالمخافة فبخشى، ويندم على ما تقدم فيبكي على ما أسلفه من ذنبه، مثل (234 - تفسير القرآن)