الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٦٨٨688
معارج الآمال - الجزء الأول
احتج أبو حنيفة بظاهرِ قَوْله تَعَالَى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فقال: التَّيَمُّم هو القصد، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض؛ فقوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا أي: اقصدوا.
وَأيضاً: فواجب أن يكون هذا القدر كافياً.
ورد بوجوه:
أحدها: أنَّ هذه الآية هاهنا مطلقة ولكنَّها في سورة المائدة مقيدة وهي قوله سبحانه: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ وكلمة (من) للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عَلَيْهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تُنبت بدليل قوله: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ (1) / 425/ فوجب في التي لا تنبت ألا تكون طيبة، فكان قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا أمراً بالتَّيَمُّم بالتراب فقط، وظاهر الأمر للوجوب.
وثالثها: أنَّ قوله: صَعِيدًا طَيِّبًا أمر بإيقاع التَّيَمُّم بالصعيد الطيب، والصعيد الطيب: هو الأرض التي لا سبخة فيها، ولا شك أنَّ التَّيَمُّم بهذا التراب جائز بالإجماع؛ فوجب حمل الصعيد الطيِّب عَلَيْهِ رعاية لقاعدة الاحتياط، ولا سيما وقد خصَّص النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصلاة والسلام - التراب بهذه الصفة، فقال: «جُعلت لي الأرضُ مَسجِداً، وتُرابُهَا طَهوراً» وقال: التراب طهورُ المُسلِم إِذَا لَم يَجِد المَاءَ»، وَاللهُ أَعلم.
(1) سورة الأعراف الآية: 58