المقدمات
الجزء ١ · صفحة ١١٩مسائل النية
119
وأنكر اليهود النسخ رأساً، وهم في إنكاره فريقان:
فمنهم: من أنكره عقلاً.
ومنهم من جوزه عقلاً؛ لَكِنَّه مَنع منه سَمعاً، وَما قدَّمنا ذكره يَدُلُّ: بطريق القطع على إبطالِ ما زَعَمَته اليهود من ذَلِكَ.
فأما إبطال دعوى من أنكر منهم النسخ سمعاً فظاهر؛ لأنَّ وروده بالسمع شاهر.
وَأَمَّا بطلان دعوى من أنكر جوازه عقلاً فَأَظهر؛ لأَنَّهُ إِذَا ثَبت بالنصوص القاطعة وقوعه فقد علمنا جواز وقوعه، إِذْ لَو لَم يَجُز لَمَا وقعَ. احتَجَّ اليهود على منع النسخ عقلاً بأنَّ النسخ بدا، والبدء في حقٌّ الله
محال.
وَجَوَابُه: أَنَّ النسخ ليس بدءاً؛ لأنَّ الله قد قضى بأنَّ الشرع الذي سيُنسَخ إِنَّمَا هُو مَشروع إلى الوقت الذي يُنسخ فيه، وقَد عَلِم رَبُّنا ذَلِكَ فَلَا بدء، وذلك كالإحياء بعد الإماتة، والإماتة بعد الإحياء، والمرض بعد
الصحة، والصحة بعد المرض والفقر بعد الغنَى والغنَى بعد الفقر
6
ونَحو ذَلِكَ ولا بدأ في ذَلِكَ ولا تَغيُّر إرادَة؛ لأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَلَّ وعَلا مَا أراد المنسوخ إِلَّا إلى وقت نسخه.
6
قال القطب (1): ومن أعظم الأدِلَّة على ثبوت النسخ مَسخُهم قردةً وخنازير، فَإِنَّهُم لَو كانوا عُقلاءَ لَجوَّزوا النسخ كما أقرُّوا بِمسخ طائفة فَكما أراد الله إبقاءهم على صُورهم إلى وقتٍ مخصوص.
منهم،
(1) انظر أطفيش هميان الزاد 226/ 2 - 227، بتصرف.