المقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٣٠130
معارج الأمال
وتمسكهم بالآيةِ مِن وَجْهَينِ:
الأَوَّل: أَنَّ القُرْآنَ لَمَّا كانَ نازلاً بِلُغَة العربِ لَم يَعرف گونه مُعجِزَة بسبب ما فيه مِنَ الفصاحَةِ إِلَّا العرب، وَحِينَئِذٍ لَا يَكون القُرْآنُ حَجَّة إِلَّا على العرب، ومَن لا يَكونُ عَربيّاً لَم يَكُن القُرْآن حَجَّة عَلَيه.
الثَّانِي: قالُوا: إِنَّ قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) المراد بذلك اللسان: لسان العرب، وذلكَ يَقتضي أن يُقالَ: إِنَّهُ لَيس لَهُ قوم سِوَى العرب، وذلكَ يَدُلُّ على أَنَّهُ مَبْعُوثُ إِلى العربِ فَقَط
وَالجَوابُ عَن الأَوَّل: أَنَّ عدم المعرفَةِ بالمعجزَةِ لا تُبْطِلُ كَونها معجزة في نفسها؛ فَالقرآن مُعجزة عَرَف أَنَّهُ مُعجزة أَم جَهِل، ولَا يَشتَرِك كون المعجزة معجزة معرفة الناظرِ فِيها أَنَّهَا مُعجزة، وَإِلَّا لَزِمٍ عُدْرُ كَثِيرٍ من المشركين المعاندين؛ لأنَّ كثيراً مِنهم أغبياء جُهَّال لَا يَعرفون الحَقَّ من
الباطل، فإذا جاءَهم نَبيُّهُم بِمُعجزة قالوا: هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (1).
وَأَيضاً: فَإِنَّ مُعجزات نبينا الكثيرة العدَدِ لَم تُحصَر في القُرْآن خَاصَّة بَل مُتنوّعة على أنواع كثيرة والقرآنُ أَحدُها، فَإذا اشترطتُم المعرفة في كون المعجزة معجزة فَسائر معجزاته صلى الله عليه وسلم قَد أُدركت بالإبصار گانشقَاقِ القَمَرِ، ونَبع الماء مِن بَين أصابعه.
وَالجَوابُ عَن التمسك الثَّانِي: أنَّا لَا نُسلَّم أَنَّ ذَلِكَ يَقتَضِي مَا ذكروه، ولِمَ لا يَجوزُ أن يكون المراد من قوله أهل دعوَتِه، وَالدليل على عُموم الدعوَةِ قوله تَعَالَى: {قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
(1) سورة النمل، الآية: 13.