الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٨378
معارج الآمال - الجزء الثاني
واحتج أبو مُحَمَّد عَلى من قال بتَحْرِيم لَحْم السباع وطهارة أَسارِهَا بقياس السباع على الخِنْزِير، وذَلِكَ أَنَّهُ قال لَمَّا رَأينا الخِنْزِير حراماً لَحْمه ولبنه، وسؤره نجس بإجماع، وجب أن يكون كلّ مَا حَرُم لَحْمه ولبنه من السباع فسوره نجس. قال: فإن قال: إنَّكم تُجوِّزون سؤر الستور وتُحرمون لَحْمه وهو سبع، ونحن أيضاً جوزنا سؤرها وحرمنا لَحْمها، قيل له: ليس يلزمنا هذا في السباع؛ لأنّ السباع لا بلوى علينا بها، ولا نكاد نبتلى بها كالستور الذي خفّفت المحنة عنا به لأجل البلوى به وَالله أَعلم.
،
وقُلتُ: وهذا الاحتجاج إِنَّمَا يستقيم على من اعترف بنَجَاسَة الخِنْزِير ونَجَاسَة سؤره. وقد نقل عن مالك أَنَّهُ يُخالف في نَجاسته، وعِنْدَهُ أَن كُلَّ حي طاهر. وقال النووي من الشافعية: ليس لنا دليل على نجاسته، بل مقتضى المذهب طهارته كالأسد والذئب والفأرة؛ فدعوى الإجماع على نَجَاسَة الخِنْزِير لا يُسلّمها خصمه، فلا يستقيم عليه الاحتجاج، والله أعلم. واستدل القائلون بطهارته: بما روي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عمر بن الخطاب الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السباع ترد الحياض وتشرب منها: فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَهَا مَا وَلَغَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ مَا غَبَر» (1) قال الربيع: قال الربيع: أي لكم ما بَقي.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّه ليس هذا الحَدِيث نصاً في الحكم بطهارتها لجواز أن يكون، إِنَّمَا أباح لهم ما بقي لكونه زائداً على قدر القلتين، ويرشد إلى ذَلِكَ كون المسؤول عنه الحياض فيكون معناه في مَعْنَى الحَدِيثِ الأَوَّل سواء، وَاللهُ أَعلَم.
،
(1) رواه الربيع بلفظه، كتاب الطهارة، بَاب (24) فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ، (158، 62/ 1. والترمذي، بمعناه، أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، ر 92، 154/ 1.