الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٧ذكر الحيض
427
ما وقع فيه الداء من الأطعمة مُضر، وقد نهينا عن إضاعة المال، فلا يُمكن إراقة ما وقع فيه مع وجود ما يُصلحه وهو الجناح الآخر.
ويُمكن أن يُجَابُ عنه: بأن ذَلِكَ الداء يسير لا يبلغ ضرره إلى تَحْرِيم الطعام، بدليل أَنَّهُ لو وقع الذباب فيه ثُمَّ طار قبل أن يمقله أَنَّهُ لا قائل بإراقته، والحديث ساكت عنه؛ فيستفاد من سكوته جواز تناوله، إذ لو لَمْ يكن جائزاً لنَبَّه عليه وَالله أَعلم.
فائدة أخرى: قال الدَّميري: قال الخَطَّابي: وقد تكلّم على هذا الحَدِيث بعض مَن لا خَلَاق له وقال: كيف يكون هذا؟ وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي ذبابة؟ وكيف تعلم ذَلِكَ من نفسها حَتَّى تُقَدِّم جناح الداء وتؤخّر جناح الشفاء؟ وما أدَّاها إلى ذَلِكَ؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإنَّ الذي يجد نفسه ونفس سائر الحيوانات وقد جمع فيها / 321/ بين الحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، ثُمَّ يرى أن الله قد ألف بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان التي منها بقاؤه وصلاحه لجدير ألا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوان واحد وأنَّ الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وتعسل فيه وألهم الذرّة أن تكتسب قوتها وتدخره، وأنَّ حاجتها إليه هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تُقَدِّم جناحاً وتؤخّر جناحاً، لما أراده من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان الذي هو مضمار التكليف، وله في كُلّ شيء حكمة وعنوان، وما يَذَّكَّر إِلَّا أُولُوا الألباب.
قال الدميري: وقد تأملت الذباب فوجدته يتقي بجناحه الأيسر، وهو مناسب للداء كما أن الأيمن مناسب للدواء، انتهى، وَالله أَعلَم.