المقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٦٧مسائل النية
167
«أَمَّا بَعْد؛ فقد دَعانِي إلى تصنيفِ هَذَا الكتاب خشية انطماس أصول الإِبَاضِيَّة لقلة انتشارها في الأمصار، وتقييدها في الأسطار، وخِيفَة الرغبة عنها في معقل الدعوةِ الأصليَّةِ بأهواء الشافعيّةِ والحنفيَّةِ لِشُهرَتِها في الآفاق، وظهور أهلها الفسَّاقِ، لأنّي رَأيتُ بَعضَ مَتَّفقِّهِي أَهْلِ زَمَانِنَا هَذَا مِن أهلِ دَعوَتِنا، ونَظرتُ في أثرِ الآخرينَ مِمَّن يَنتَحلُ مَذهَبَنا، وشَاهَدت قَوماً مِمَّن يَنتَمِي لِدِينَنَا زَاغَت الأهواء عَن قَصدِ السلف الصالح في لحن القول مع الغفلة لبعضهِم عَن أصولِ دِينهم واختيار مذهبهم بلا خلاف قاصداً يُوجب الوقوف عَنهم، فلمَّا خَشِيتُ هَؤُلَاء وَأَمْثَالَهُم أَن يَزِيغُوا بِمَا استخفوا به من الخلافِ ويَستميلُوا به قلوب الضعافِ، صَرفتُ عِنايَتِي إلى
6
بهم
تصنيفه لترسخ الأُصُولُ في أماكنها، ويَتَعَلَّق بِهَا أَهْلُ دَعوتِنا، ويَرغب فِيها مَن أَكثَر النظرَ فِيها.
وقَد نَظرتُ في بَعضٍ تَصانيفِ أَهل مَذهَبنَا فَإِذَا هُو عِلمٍ مَنشورٌ، وَلَا تُؤَدِّي المَسْأَلَةُ إِلَّا مَعْنًى واحداً غَير شامل لأصولِ العِلم، مُفتقراً إلى النظرِ في جَمِيعَ الكتبِ، فَجَعَلت كتابِي هَذَا مُختصراً موجزاً، وفصلته أبواباً، وجَعلتُ كُل كتاب منه خصالاً ليسهل على المتعلّم حِفظه، ويقرب إِلَيْهِ فَهمه، ويزيدَ العَالِم نباهةً في قلبه، وتقوية في علمه، وبصيرةً في دينه، وضَمَّنته من جَمِيعَ أصنافِ الفِقهِ في الدين، وبدأتُ في أَوَّله بذكرِ مَا لا يَسع جَهلُه، فَإِنَّهُ مَعقل الدين، ونصاب الفِقهِ فَلَا يَهتدي إِلَيْهِ إِلَّا مَن عَرفه، ولَا يَضِلُّ إِلَّا مَن جهله، وهو ما اجتمع أئمَّةُ المسلمين على توقيفِ ذِكرِه وبَيَانِه في الكتابِ والسُنَّةِ المأثورَةِ، ولَم يُسيغُوا التنازعَ فِيهِ بَل أَوقعُوا اسم الضلالة لِمُخالفيهم فيه، ثُمَّ أَتبَعتُه سائرَ ذَلِكَ صنفاً صنفاً ترتيباً حسناً، وذكرتُ فيه إشارة مِمَّا حَضرنِي من تَنازعهم فيما يَجُوزُ التنازع / 38/ فِيه