الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٤474
معارج الآمال - الجزء الثاني
وقال أبو معاوية: إن ماتت في بئر فغيَّرت ريحها فلا أقول إِنَّهَا تفسدها؛ لأنَّها من ذوات الماء. وإن ماتت في البَرِّ ثُمَّ وَقعت في طوي أو في وعاء فيه ماء وهي ميتة أفسدته؛ لأنَّهَا ميتة بريّة.
من
وقال مُحَمَّد بن المسبح: لا تفسد إلَّا أن تكون جاءت الأقذار، وليس هذا بشيء لما صرَّحوا أنَّ حكمها في البَرِّ حُكم الحَيوانات البَرِّيَّة، وَلَعَلَّه شَبَّهها بالعقرب والخنفساء وأشباهها مِمَّا لَا دَم له، وهو قياس فاسد؛ لأَنَّهَا من ذوات الدِّمَاء الأصلية كما صرَّح / 357/ به الشيخ أبو سعيد - رحمة الله عليه -
ثُمَّ رَأيت الشيخ أبا سعيد وجه كلام ابن المسبح على وجه حسن، وذَلِكَ أن أصلها من ذوات الماء، فهي على أصلها، وإن جاءت من البَر حَتَّى يعلم أَنَّهَا بَرِّية، وَاللَّهُ أَعلَم.
وإن ماتت في خلّ أو طعام أو قدر فيها طبيخ أو دبس (1) أو سمن أو لبن أو نحو ذَلِكَ فَإِنَّهَا تفسده؛ لأنَّهَا لَيست من ذوات الخلّ وليس الطعام
سكناً لَها.
وَقِيلَ: إن ماتت في قدح ماء أفسدته. وَلَعَلَّ هذا القائل نظر إلى أنَّ
الضفدع لا تَنشأ من الماء اليسير في العادة، فإذا ماتت فيه علمنا أَنَّهَا
جاءت إليه من خارج.
وأَيْضاً
: فَإن غالب الإناء يكون فِي البَرِّ فيحكم عليها بحكم الميتة
البَرِّيَّة حَملاً على الأغلب مِن أَحوَالِهَا، وَاللَّهُ أَعلَم.
(1) الدبس: عسل التمر الذي يخرج منه بعد مرور زمن من حبسه. وسيأتي بيانه في التنبيه
التاسع من كتاب الزكاة.