المقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٧٠170
معارج الأمال
الإسلام دولة الفرس بالعراق وخراسان، ودَوْلَة الروم بالشام، ودَوْلَة القبط بمصر، فكانت العَرَب في صدر الإسلام لا تَعتَنِي بِشَيْءٍ مِن العُلُومِ إِلَّا بِلغَتِها ومَعْرِفَة أَحْكَام شريعتها، وبصناعة الطبّ، فَإِنَّهَا كَانَتْ موجودة عندَ
ه
أفرادٍ مِنْهُمْ لِحاجة الناسِ إِلَيْهَا، وذَلِكَ مِنْهُمْ صَوناً لقواعد الإسلام وعقائدِ أهله عن تطرُّقِ الخلل من عُلُوم الأوائلِ قَبْلَ الرسوخ والأَحْكَامِ حَتَّى يُروَى أَنَّهُمْ أحرقُوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلادِ، وَقَد وَرَدَ النهي عَن النظر في التوراة والإنجيل لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ والعَمَل بكتاب الله وسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واستمرَّ ذَلِكَ إِلى آخرِ عَصْرِ التَّابِعِين، ثُمَّ حدث اختلاف الآراء وانتشار المذاهب، فآلَ الأَمْرُ إلى التدوين والتحصين.
الفائدة الثانية
في الاحتياج إلى التدوين
وَاعْلَمْ أنَّ الصَّحَابَة والتَّابِعِين - رضوان الله تعالى عَلَيهِم ـ لخلوص عَقِيدَتِهِم بِبَركةِ صُحبَةِ النَّبِيِّ الله وقُرب العهدِ إِلَيْهِ، ولِقلَّةِ الاختلافِ والواقعاتِ، وَتَمكُنكم من المراجعَةِ إلى الثقاتِ، كَانُوا مُسْتَعْنِين عَن تَدوين علم الشرائع والأحْكَامِ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهم كَرِه كِتَابَةَ العِلم، واستَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عن أبي سَعِيد الخدرِي أَنَّهُ «استأذنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي كِتَابَةِ العِلم فَلَم يأذن لَه» (1)، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاس - ها - ما أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْكِتَابَةِ، وَقَالَ: «إِنَّمَا ضلَّ مَن كانَ قَبْلَكم بالكِتَابَة، وجاءَ رجلٌ إلى عبد الله بن عَبَّاس - ا - ما فَقَالَ: إِنِّى كَتَبتُ كتاباً أريد أن أعرضه عَلَيكَ، فَلَمَّا عُرِضَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ مِنهُ
=
ر 3952، ص 567. والطبراني في الأوسط، عن ثوبان بمعناه، ر 8397، 200/ 8. (1) رواه مسلم، عن أبي سعيد بمعناه باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ر 3004، 2298/ 4. الترمذي، بلفظ قريب، باب ما جاء في كراهية كتابة العلم، ر 2665، 38/ 5.