المقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٨٢182
معارج الآمال
حفظه على ظهر الغيب، ومع التطويلِ يَفوتُ هَذَا الغرض؛ ولأنَّه يَجِبُ على كُلِّ مصنّف أن يُراعي لتصنيفه حالَ أهل زمانه تأسياً بفعله في إرسال الرُّسُل إلى الأمم، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ (1)، ورُوِيَ
عنه أَنَّهُ قالَ: أُمِرْتُ أن أخاطب الناس على قَدرِ عُقُولِهِم» (2). وقد خاطب الله حمير بلغتها، وَهُوَ عَدناني اللغة، وَكَذَا غَير حِمير أَيْضاً، فَينبَغِي لِكُلِّ مؤلّف أن يُراعِيَ لسانَ قَومِه الذِينَ قصدهم بالخطاب، فيخاطبهم بلغتهم التي يفهمونها، ويُراعِي أحوالهم في أفهامهم فيخاطبهم
بقدرِ عُقُولِهم.
وقد تختلف هَذِهِ الأحوال باختلافِ القرون والأمم، وتنوع اللغاتِ ووفور الذكاء، وقوَّة الفهم وتفاوتِ المراتبِ فِي ذَلِكَ، فلذا تَرى نَهج الأقدمين في التأليف غَير نَهج المتأخرين؛ فإنَّ الأقدمينَ إِنَّمَا يُخاطبونَ قوماً لا يليق بحالِهم إِلَّا ذَلِكَ الخطاب، والمتأخّرين يُخاطبون أقواماً لا يليق بِحالِهم إِلَّا ذَلِكَ الخطاب أَيْضاً.
بليغاً
والبلاغة: هي مُرَاعَاة مُقتَضَى حالِ المخاطب، فقد يكونُ الخطاب في حق قوم لموافقته مُقتَضَى حالِهم، غَير بليغ في حقٌّ آخَرينَ أن لو خوطبوا به؛ لأَنَّهُ لَمْ يوافق مُقْتَضَى حَالِهم، ومع ذَلِكَ فَهو بليغ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا خوطب به من لا يليق بحاله إِلَّا ذَلِكَ الخطاب، وذلك كافٍ في كونه بليغاً، ولذا اختلف الحالُ بَيْنَ خطاب خالي الذهن، وخطاب المتردد، وخطاب المنكر كما بُيِّنَ في مَحلَّه، فَلذَلِكَ تَركتُ ذِكرَ الأَدِلَّة في هَذِهِ المنظومة.
(1) سورة إبراهيم، الآية: 4. (2) ذكره المناوي: فيض القدير عن الحبر مرفوعاً بلفظه، 378/ 3. والعجلوني: كشف الخفاء، عن ابن عباس بلفظه، ر 225/ 1،592، 226.