الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٩كتاب الصلاة
289
وسنقدم أمام المقصود مسائل:
المسألة الأُولَى
في الحكمة في تعيين القبلة في الصَّلاة
وقد ذكروا لها حكماً:
أحدها: أن المقصود من الصَّلَاة حضور القلب، وهذا الحُضُور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة عَلَى / 294/ التعيين، فإذا اختص
بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام كان استقبال تلك الجهة أولى. وثانيها: أن الله تَعَالَى يُحبُّ الموافقة والألفة بين المُؤمِنين، وقد ذكر المنَّة بِهَا عَلَيْهِم، حيث قال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا» (1)، ولو توجّه كُلّ واحد منهم في صلاته إلى ناحية أخرى لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً، فعيَّن الله تَعَالَى لَهم جهة معلومة، وأمرهم جَمِيعاً بالتوجه نحوها ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك،
وفيه إشارة إلى أن الله تَعَالَى يُحِبُّ المُوافَقَة بين عباده في أعمال الخير.
وثالثها: أن الله تَعَالَى خلق في الإنسان قُوَّة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقُوَّة خيالية متصرّفة في عالم الأجسام، وقلما تنفكُ القُوَّة العقليّة عند مقارنة القُوَّة الخيالية ومصاحبتها، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسها حَتَّى تكون تلك الصورة الخيالية معينة عَلَى إدراك تلك المعاني العقلية عند مقارنة القوة
(1) سورة آل عمران، الآية: 103.