الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٠٢معارج الآمال - الجزء الثالث
الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف البتة، ويكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام، ويجب عَلَى كُلِّ مسلم أن يُصَلِّي إلى تلك الجهة بعينها، وإذا كان كَذَلِكَ فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى
السماء.
وأجاب الفخر بأنَّه لَمَّا صارت تلك الأجسام في العزّة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء، وإنما (1) حصلت لها هذه العزّة بسبب أنَّها كانت حاصلة / 308/ في تلك الجهة، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل عَلَى غاية تعظيم تلك الجهة، وإعزازها قال وهذا القول وما قبله مشتركان أنَّ الكعبة كانت موجودة في زمان آدم
في
،
وَأَمَّا القول الآخر: فيدلُّ عَلَى أَنَّ قائله ينكر ذلك، وصوّب الفخر
وجودها في زمان آدم، واحْتَجَّ عَلَى ذلك بوجوه:
أحدها: إنَّ تكليف الصَّلَاة كان لازماً في دين جميع الأنبياء بدليل قوله تَعَالَى في سورة مريم: {أَوَلَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ … إلى قوله تَعَالَى: {خَرُّوا سُجَّدًا. . . (2) قال: فدلت الآية عَلَى أَنَّ جميع الأنبياء كانوا يسجدون الله، والسجدة لَا بُدَّ لَها من قبلة، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح موضعاً آخر سوى الكعبة لما كان لقوله تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مَعنَى؛ فوجب أن يقال: إنَّ قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة، فدل هذا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة.
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب: حذف «وإِنَّمَا» ليستقيم جواب لَمَّا.
(2) سورة مريم، الآية: 58.