معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

المقدمات

الجزء ١ · صفحة ٢٠٤

204

معارج الآمال

لا يُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ على الحكم ببلوغه لاحتمال أن يَكُون قد عَلم بلوغه من حالِ غَير السنينَ؛ لأنَّا نقولُ: إِنَّ هَذَا الاحتمالَ أَمْرٌ متوهم لا يعارِضُ الظاهر من الحالِ.

وَأَيضاً: فَلَو كَانَ حَكَم ببلوغه لِحالِ غَير السنينَ لَنَقَلَته الرواة، وهُم لَمْ يَنقُلُوا إِلَّا عددَ السنينَ، فظهر بِهَذَا أَنَّ مَن بلغَ مِن الصِّبَيَانِ خَمْسَ عشرة سَنَة يُحكَم بِبلوغه، وَالله أَعلَم.

قال الفخر قال أبو بكر الرازي (1): قَولُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحلم مِنكُر يَدُلُّ على بطلان قولِ مَن

جعلَ حدَّ البُلُوغ خَمْس عَشَرَة سَنَة إِذَا لَمْ يَحتلِم؛ لأَنَّ الله تَعَالَى لَمْ يُفرِّق بَيْنَ من بَلغهَا وبَيْنَ مَن قصر عنها بَعْد أَن لا يَكُون قد بلغَ الحُلم، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم من جهاتٍ كَثِيرة: «رفع القلم عَن ثَلَاثَة: عَن النائم حَتَّى يَستيقظ، وعَن المجنونِ حَتَّى يفيق، وعَن الصبِيِّ حَتَّى يَحتلم»، ولَم يُفَرِّق بَيْنَ مَن بلغَ خَمس عشرة سَنَة، وبَينَ من لَمْ يَبلغها.

قال: فإن قِيلَ: فَهَذَا الكَلَام يُبطل التقدير أَيْضاً بثمانِي عَشرة سَنَة. أجيب: بأنَّا قد عَلِمنَا العادة في البلوغ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَكَلَّمَا كَانَ مبنياً على طريق العاداتِ فقد تَجوزُ الزيَادَة فِيه والنقصان منه، وقد وجدنا مَن بَلَغَ في اثنتَي عَشْرَةَ سَنَة، وقَد بَيَّنَا أَنَّ الزيَادَة على المعتادِ جَائِزَة گالنقصان مِنه فَجَعَلَ أبو حَنِيفَة الزيَادَة كالنُّقصان

وهي

ثلاث سنين.

وَقَالَ في حَدِيثِ ابن عُمر إِنَّه مُضطرب؛ لأَنَّ أُحَداً كَانَ:

في

سنة

(1) أحمد بن علي الرازي الحنفي أبو بكر، المشهور بالجصاص (370 هـ): أصولي مفسر وفقيه حنفي. استقر ببغداد ودرس بها، وانتهت الرحلة إليه. له: أحكام القرآن، والفصول في الأصول. انظر: مقدمة الفصول. الفوائد البهية ر 44، ص 33 - 35.