المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١٤214
معارج الآمال
وَقَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (1)، وَقَالَ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2)، وَقَالَ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج (3)؛ أي: من ضيق، وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ (4)، وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ: ضَعِيفًا (5) وَأَيضاً: فلو جاز أن يكلف الله تَعَالَى مَا لا يُطاق لَجَازَ أَن يُكلِّفَ الأعمى النظر، والمقعد المشي، ولجاز أن يُكلِّفَ الإنسان الطيران، وأشباه ذَلِكَ، ولَو جَازَ ذَلِكَ لَجاز أن يكلّف الأشجار والنبات والجمادَ إذ لَا فَرق بَيْنَ الأَمْرَين، ومَن بَلَغَ هَذَا الحِدَّ من التجويز عد من المجانين.
واحتجت الأشاعرة على صحة قولِهِم بتجويز
ذلِكَ بأمورٍ:
أَحَدَهَا: قَولُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (6) قالُوا: فَرعْبَة المؤمنين إلى الله في أن لا يُكلِّفَهم ما لا طاقة لهم به دليل على جواز تكليفه ذَلِكَ، ولَو جازَ ذَلِكَ لَمْ يَكن للرغبة فِي ذَلِكَ مَعْنَى ولا فَائِدَة.
وَأُجِيب: بأنَّه لا دليل في الآية على جوازِ ذَلِكَ، بَل ذَلِكَ نَظير قَولِه تَعَالَى: {قَلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ)، ولا خلاف أَنَّهُ لَا يُحكُم إِلَّا بِالحَقِّ، وكقَولِه تَعَالَى: {وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ
(1) سورة التغابن، الآية: 16. (2) سورة آل عمران الآية: 97 (3) سورة الحج، الآية: 78. (4) سورة البقرة، الآية: 185. (5) سورة النساء، الآية: 28.
(6) سورة البقرة، الآية: 286. (7) سورة الأنبياء، الآية: 112.