المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩مسائل النية
229
وذَلِكَ كَمَعْرِفَة وُجُودِ الصانع المختارِ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ المُحدثة المشاهدة بالبصر واللمس والسمع وغيرهَا دَالَّة على أَنَّ لَهَا فَاعلاً مُوجِداً أوجدها، ومُحدثاً أَحدثها، إذ لا يُمكن أن تُوجد نَفْسَها، ومُحَال أن يُوجد بَعْضُها بَعْضاً، فوَجَبَ بالعَقْل أَنَّ ذَلِكَ الموجِد هُو غَيرها، وَأَنَّهُ لا يُشابِهها في شَيء من صفاتها وأحوالِها؛ لأنَّه لَو شَابَهَها فى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَجاز عَلَيهِ جميع ما يَجُوزُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، فَمِن هُنا كَانَتْ مَعْرِفَةُ صِفاتِ اللَّهُ تَعَالَى تُدرَكَ مِن العَقْل وَهُوَ حَجَّة فيها؛ لأنَّها من الكمالات الثابتة لَه تَعَالَى بدليل العَقْل، سوَاء كَانَتْ تِلْكَ الصفات مِمَّا يَجِبُ إثباته الله تَعَالَى؛ كالعِلم والقُدْرَة والإرادة والسمع والبصر والحياةِ والقِدم والبقاء، أو كَانَتْ من جانب السلب؛ أي: من جانب النفي والاستحالة؛ كالجهل والعجز والإكراءِ والصمم والعمى والحدوثِ والفناءِ، فإِنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ مَنفَيَّة عَنه تَعَالَى، كَمَا أَنَّ العلم والقُدْرَة والإرادَةَ وما بعدها ثابتة له تَعَالَى بِطَرِيقِ الْعَقْلَ، كَذَلِكَ أضدادها منفيَّة عنه بطَرِيقِ العَقْل، والعَقْلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ حَجَّة، فمَتَى مَا خطر على البالِ شَيء من هَذِهِ الصفاتِ، وَجَبَ على المُكَلَّف إثبات مَا كَانَ حقِّه تَعَالَى ثَابتاً، وَنَفي ما كانَ فِي حَقِّه تَعَالَى مُستَحيلاً.
في
وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيهِ إثباتُ الصفاتِ الجَائِزَة له تَعَالَى كإيجادِ الخلقِ
وإفنائهم، وإرسالِ الرُّسُل، وإنزال الكتب، وإثابة المطيع، وعقوبة العاصي، إلى غَير ذَلِكَ من الأَفعَالِ الجَائِزَة في حقه تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَيسَ له بَعْد خطورِ ذَلِكَ بباله أن ينفي شَيْئاً مِنها، ولَو لَمْ يَسمَع بِصِحَّة ذَلِكَ مِن طريق السمع، فإنَّ العَقْلَ هو الحُجَّةِ في إثبات صحة ذَلِكَ، والمشاهدة الحسيَّة من وُجُودِ نفسه ووُجُودِها ما يشاهده مؤكّدة لِحجَّة العَقْل في صحة ذَلِكَ، فلا سبيل إلى دفع ما شاهَد وُجُوده، فَإِنْ دَفَعَه مَعَ ذَلِكَ كَانَ