معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

المقدمات

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

مسائل النية

233

متلاطمة، ورياح مُختلفة، وهي مِن بَيْنَها تَجري مُستويَة لَيسَ لَهَا مَلَّاح يُجريها، ولَا مُتعهد يَدفعُها هَل يَجُوزُ ذَلِكَ في العَقْلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَيء لَا يُقَبْلَه العَقْل فقال أبو حَنِيفَة: يا سُبحان الله، إِذَا لَمْ يجز في العَقْل سفينة تجري في البحرِ مُستوية من غَير مُتعهد ولا مُجرٍ، فَكَيفَ يَجُوزُ قِيَام هَذِهِ الدنيا على اختلافِ أحوالها، وتغير أعمالها، وسِعَة أطرافها، وتباين أكنافها من غَير صانع وحافظ؟ فَبكوا جميعاً وَقَالُوا: صَدَقت وأعْمَدوا سيوفهم وتابوا. قَالَ: وسألُوا الشافعي: مَا الدَّلِيلُ على وُجُودِ الصانع؟ فَقَالَ: وَرَقَة الفرصاد (1): طَعمُها ولَونُها وريحها وطبعها واحدٌ عِندَكم؟ قَالُوا: نَعم. قَالَ: فَتَأكُلُها دُودة القزّ فيخرج منها الإبريسم والنحل فيخرج منها العسل، والشاةُ فَيخرج منها البعرُ، ويأكلُها الظباءُ فَينعقد في نوافجها (2) المسك، فمَن الذِي جَعَلَ هَذِهِ الأَشيَاء كَذَلِكَ مع أَنَّ الطبع واحِد؟ فاستحسنُوا مِنه ذَلِكَ وأسلموا على يَدِه وهم سَبعة عَشَر.

(2)

قَالَ: وسُئل أبو حَنِيفَة مرَّة أُخرَى فتمسك بأنَّ / 69/ الوالد يُريدُ الذكر فيكون أُنثى وبالعكس، فدل على الصانع.

قَالَ: وتَمسَّك أحمد بن حنبل بقلعَة حَصينَةٍ مَلسَاء لَا فُرجَة فِيها. ظاهرها كالفضَّة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثُمَّ انشقت الجدران

(1) الفرْصادُ: عجم الزبيب والعنب، وهو العنجد أيضاً، والفِرْصاد التوت، وقيل: حمله (أي: ثمره)، وهو الأحمر منه. ابن منظور: لسان العرب مادة (فرص)، 159/ 11. (2) النوافج: قيل: هي الإِنْفِجَة: وهي شَيْء يستخرج من كرش الحمل أو الجدي أصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن وقيل: مؤخرات الضلوع. انظر: أساس البلاغة، ومقاييس اللغة، واللسان، (نفج، نفح).