المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤234
معارج الآمال
وخرج من القلعة حيوان سَمِيعٌ بَصير فلا بدَّ من الفاعل عنى بالقلعة البيضة،
وبالحيوان الفرخ.
قَالَ: وسأل هارون الرشيد (1) مَالِكاً عَن ذَلِكَ فَاسْتَدَلَّ باختِلاف
الأصوات، وتَردُّدِ النغماتِ، وتَفاوُت اللغات. قَالَ: وسئلَ أَبو نواس
فَقَالَ:
(2)
تأمل في نباتَ الأَرْضِ وَانظُر إِلَى آثَارِ مَا صَنع المليك عُيونُ مِن لُجَينِ شاخِصاتٍ وأزهَار كما الذهب السبيك عَلَى قُضُبِ الزبَرجَد شَاهِدَات بأنَّ اللهَ لَيسَ لَه شريك قَالَ: وقِيلَ لِطبيب: بِمَ عَرفتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: بِإِهْلِيلَج (3) مُجفّف أطلق، ولُعاب مُلين أمسك. يعني: أَنَّ الإهليلج المجفف لَمْ يَفعل الإطلاق مِن قِبَل نَفْسِه، ولو كانَ ذَلِكَ مِن قِبَل نَفْسِه لَما فعل الإطلاق؛ لأنَّ المناسب للمجفّف الإمساك لا الإطلاق، وكذَلِكَ اللعاب المليِّنُ إِنَّمَا يُنَاسِب حاله فعل الإطلاق، فَلَمَّا فعل الإمساك وَهُوَ ضدُّ المناسبِ لَه عُلِم أَنَّ ذَلِكَ لَيسَ من فعل طبعه بنفسه، وَإِنَّمَا هُو مِن فِعل غَيره فيه، وذَلِكَ الفاعلُ هُوَ الصانِعُ المختار، والله أعلم.
(1) هارون بن محمد المهدي، أبو جعفر الرشيد (149 - 193 هـ): خامس خلفاء العباسيين وأشهرهم. بويع بالخلافة بعد أخيه الهادي سنة 170 هـ. ازدهرت الدولة في أيامه. عالم بالأدب والأخبار والفقه والحديث. الأعلام، 62/ 8. (2) الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي، أبو نواس (146 ـ 198 هـ): شاعر ولد بالأهواز ونشأ بالبصرة ثُمَّ رحل إلى بغداد فدمشق فمصر واتصل بأمرائها ومدحهم. له ديوان
شعر، وكتب عن أخباره كثير من الكتاب. انظر: الأعلام، 2/ 225. (3) الإهليلج: شجر ينبت في الهند وكابل والصين، ثمره على هيئة حب الصنوبر الكبار. انظر:
المعجم الوسيط، إهليلج.