معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

المقدمات

الجزء ١ · صفحة ٢٤١

مسائل النية

241

أَحَدَهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّا نُدرِك تَفرِقَة ضرورية بديهيَّة بَيْنَ قُولِنا: «ذات الله ذات، وبَيْنَ قَولنا: ذاتُ الله عَالِمَة قادرة»، وذَلِكَ يَدُلُّ على أَنَّ گونه عَالِماً قادراً لَيسَ نفس تِلْكَ الذَّاتِ.

قُلْنَا: تِلْكَ التفرِقَة إِنَّمَا نَشَأت من بابِ المَفهومات، ونَحن نُسلّم أَنَّ مفهوم / 73/ العِلم غَير مفهوم الذَّاتِ، ولذَلِكَ نُثَبِت الصِفَاتِ مَعَانِي اعتبارية، فغاية ما في هَذِهِ التَّفرِقَة تُبوتُ الاتصاف بالعِلم لِتِلْكَ الذَّاتِ وَهُوَ مسلم اتفاقاً؛ فما الدليل على أَنَّ ذَلِكَ العِلم مَعْنًى زائد على الذَّاتِ؟!. وثَانِيهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: يُمكن العِلم يكونه موجُوداً مَعَ الذهولِ عَن كَونه قادراً وعَالِماً، وكذَلِكَ يُمكن أن يعلم گونه قادراً مع الذهول عن كونه عَالِماً وبالعكس، وذلِكَ على أَنَّ كونه عَالِماً قادراً لَيسَ نَفس تِلْكَ الذَّاتِ. قُلْنَا: ذَلِكَ الإمكان إِذَا سلم فلا يَدُلُّ على ما زَعَمُوه؛ لأَنَّ الذهول إِنَّمَا يَكُون عن مفهوم تِلْكَ الصِفَةِ، فلا يَلْزَم من ذَلِكَ أن تَكُون تِلْكَ الصِفَة غَيْره تَعَالَى، فأينَ الدَّلِيل على أَنَّ هنالكَ مَعْنى آخَر.

وثَالِثهَا: أَنَّ كونَه عَالِماً عام التعلُّق بالنسبة إلى الوَاجِبِ والممتنع والممكن، وكونه قادراً لَيسَ عام التعلُّق بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، بل هو مختص بالجائز فقط، ولولا الفرق بَيْنَ العِلم وبَيْنَ القُدْرَةِ وَإِلَّا لَما كان

كذلك.

قُلْنَا: تعلُّق العِلم عِبَارَة عَن انكشاف المعلومات لذاته تَعَالَى انكشافاً تاماً، وتعلُّق القُدْرَة عِبَارَة عن انفعالِ الأَشيَاءِ لَه على وفق إرادته، فالفرقُ إِنَّما هو في الاعتبار دونَ المعاني الحقيقيَّة، إذ لَيسَ هُنالك إِلَّا الذَّات العَلِيَّة، والله أعلم.