الجزء الرابع
الجزء ٥ · صفحة ٤١٢412
معارج الآمال - الجزء الرابع
وَمِنهَا: قول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عامر الجهني لما قال: يا رَسُول الله، ما النجاة؟ قال: لِيَسَعكَ بَيْتُكَ، وَأَمسِكَ عَلَيكَ لِسَانَكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (1).
وروي أنَّه قيل لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أفضل؟ قال: «مُؤمِنُ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيل الله تَعَالَى قِيلَ: ثُمَّ مَن؟ قال: رَجُلٌ مُعتَزِلٌ فِي شِعَبٍ مِن الشعابِ يَعبُدُ رَبَّهُ وَيَدَع الناسَ مِن شَرِّه» (2).
وَأُجِيبَ: بأنَّ ذَلِكَ لا يُمكن تنزيله إِلَّا عَلَى ما عرفه صلى الله عليه وسلم بنور النبوَّة من حاله، وأن لزوم البيت كَانَ أليق به وأسلم له من المخالطة، فَإِنَّه لَمْ يأمر جميع الصحابة بذَلِكَ، وربّ شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة، كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج إلى
الجهاد.
وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَى أن ترك الجهاد أفضل، وفي مُخالطة الناس مُجَاهِدة ومقاساة، قال: الذِي يُخَالِطُ الناسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُم خَيْرٌ مِنَ الذِي لَا يُخَالِطُ الناسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُم» (3). وهذا نص في تفضيل
الخلطة على العزلة.
ثُمَّ إِنَّ جَمِيع
ما تَمسَّك به المختارون للعزلة لا يفيد الاعتزال في كُلِّ
(1) رواه الترمذي، بلفظه مع تقديم وتأخير، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، ر 2406، 523/ 4. وأحمد، بمعناه، 158/ 4.
(2) رواه مسلم، عن أبي سعيد الخدري بمعناه كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط، ر 1888، 1503/ 3. وأحمد مثله بلفظه وزيادة، ر 11340، 37/ 3.
6
(3) رواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر بلفظه وزيادة، باب لا يصلح الكذب، ر 388، 140/ 1. والترمذي، عن شيخ من أصحاب النبي بمعناه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، ر 2507، 572/ 4.