المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠290
معارج الأمال
المسألة الثالثة
في معرفة التَّوحيد، وسائر العلوم]
تعريفُ التَّوحِيد هُو مِن حَيثُ اللغة: الإفرادُ، يُقالُ: وَحَدَ اللَّهِ إِذَا أفردَه ولَم يَجعل لَه شَريكاً.
وَأَمَّا تَعريفه من حَيثُ الشَّرْع: فَهُوَ الإِقرَارُ الله بالوحدَانِيَّة، والشهادة لِمُحمَّد الله بالرِّسَالَة وأنَّ مَا جاءَ به مُحَمَّد مِن رَبِّهِ هُو الحَقُّ مُجَمَلاً ومُفصَّلاً، فمَن جَاءَ بِهَذِهِ الجُمْلَة صارَ مُوحَداً مَا لَمْ يُنكر شَيْئاً مِنها أَو مِن تفسيرها، أو يُحدث حَدَثاً يُخرجه عَن التَّوحِيد.
فَإِذَا عرفت الفرقَ بَينَ مَعْنَى التَّوحِيد في اللغة وبين مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع، ظهرَ لكَ سُقوط مَا ذَهَبَ إِلَيه أَحمد بن الحسين (1) حَيثُ زَعَم أَنَّ اليهود والنصارى لَيسُوا بِمُشرِكين؛ لأَنَّ غَالِبَهُم أَفرَدُوا الله بالوحدانِيَّة وَلَم يَجعلُوا
له شريكاً. وظَهرَ لكَ أَيْضاً سُقوط التأمُّلِ الذِي قَالَه بَعضُهم فِيمَا ذَكَرُوهُ مِن خصالِ التَّوحِيدِ التي لَيسَ فِيهَا إفرادٌ كَالإقرار بالجَنَّةِ وَالنارِ، وَالأَنبِيَاء، والرسل، والمَلَائِكَةِ، والكتب، ووَلَايَة الجُمْلَةِ، وبَراءة الجُمْلَة، والأمر والنهي، مِن خصالِ التَّوحِيد.
وذَلِكَ لأَنَّ مذهَبَ ابن الحسين إِنَّمَا يَتوجّه على تعريفِ التَّوحِيد بالمَعْنَى اللغوي، وكَذَلِكَ هَذَا التأمُّل الذِي ذَكَره هَذَا البعضُ، وَالله أعلم. ويُطلق التَّوحِيدُ على العلم بِأُمُورِ يقتدر معه على إثباتِ العقائدِ
الدينية، بإيراد الحجج ودفع الشبه عَنْهَا.
(1) أحمد بن الحسين، أبو سعيد البردعي (ت: 317 هـ): قتل في وقعة القرامطة، له مناظرة مشهورة مع داود الظاهري انظر الفوائد البهية ر 20، ص 23 - 25.