الجزء الخامس
الجزء ٦ · صفحة ١١٢112
معارج الآمال - الجزء الخامس
وعلى هَذَا فيَكُون بين المدينة والمصر عموم وخصوص من وجه،
وفي وصف الحَدِيث المدينة بالعِظَم إشارة إِلَى هَذَا الْمَعْنَى. وبالجملة فإن أوصاف الأمكنة تختلف باختلاف الأوقات، فقد يكون المكان الواحد مصراً في وقت ومدينة في وقت، وقرية في وقت، وقد يخرب فلا يرى له أثر بالكلية؛ فالواجب اعتبار هَذَا المَعنَى، فإن الإغفال عنه موجب لترك الجُمُعَة من أصلها.
بَيَانُه: أنا لو قصرنا صَلَاة الجُمُعَة عَلَى الأمصار السبعة، ثُمَّ اختلف الحال وصارت الأمصار قفاراً، وانحاز الناس إلى أمكنة أخرى فعمروها واتَّخذوا الأبنية / 82/ والمساكن، وصارت مركز الأوامر والنواهي، وموضع القوة والسلطنة، وانتاب الناس إليها حوائجهم حَتَّى إِنَّهُم لَمْ يذكروا الأمكنة السابقة أصلاً، فإنَّا لو لَمْ نوجبها في هذه الأمصار لزم اطراحها بالكلية.
إذا قد يأتي على الناس حال وهم لا يعرفون ذَلِكَ المَكَان أصلاً، وليس لقائل أن يقول: يلزمهم أن يُصَلُّوا الجُمُعَة فِي ذَلِكَ المَوضِع بعينه وإن صار خراباً؛ لأنَّا نقول: إن اشتراط المصر ينافيه؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا اشترط لكونه جامعاً للناس والخراب عَلَى العكس من ذَلِكَ.
وَأَيضاً: لو كَانَ المَقصُود نفس المَكَان عَمَر أَو خَرَب لبيَّن ذَلِكَ
رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، والحَالُ أَنَّهُ لَمْ يكن بيان.
ثُمَّ إن التمصير والتعيين للأمصار المخصوصة إِنَّمَا وقع في زمن
عمر، فما حال الجُمُعَة فيها قبل ذَلِكَ؟
فإذا ظهر لك هَذَا المَعنَى عرفت أن الواجب في هَذَا الوقت إقامة: