المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧مسائل النية
327
وعِبَادَةٌ للسان كمَا أَنَّهَا عبوديَّة للقلب، والأفعال المنوية عِبَادَة الجوارح - إلى
أن قال -: والذي استقرَّ عَلَيه أَصحَابُنَا استحباب النطقِ بِها.
وقاسه بعضهم على ما في الصَّحِيحين من حَدِيث أَنس، أَنَّهُ
سمع
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُلبي بالحج والعمرة جَمِيعاً، يَقُول: لَبَّيْكَ عُمرَة وحَجَّة» (1) وَهَذَا تصريح باللفظ والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس
6
لَكِنَّه تُعقب هَذَا بِأَنَّهُ عَلَيه الصَّلَاة والسَّلَام قالَ ذَلِكَ في ابتداء إحرامه تعليماً للصحابة مَا يُهلُّون به، ويقصدونه من النسك، ولقد صلَّى عَلَيه الصَّلاة والسَّلَام ثَلاثين ألف صَلاة فَلَم يُنقَل عَنه أَنَّهُ قَالَ: «نَوَيتُ أُصلِّي صلاةَ كَذَا كَذَا»، وتركه سُنَّة كَمَا أَنَّ فِعله سُنَّة، فلَيسَ لَنَا أن نُسوِّيَ بَين ما فَعلَه وتَركه، فنَأْتِي مِن القَول في المَوضِع الذِي تَركَه بنَظِيرِ مَا أتى به في الموضع الذي فعله والفرقُ بين الحجّ والصلاة أظهَر مِن أن يُقاسَ أَحَدُهُمَا بالآخر.
قال القاري: وأَعْرَب ابن حَجَر وقَال: إِنَّه عَلَيهِ الصَّلَاة والسَّلَام نطق بالنيَّة في الحج فَقِسنَا عَلَيه سَائر العِبَادَات، وعَدَم وُرُوده لا يَدُلُّ على عدم
وقوعه.
وَأَيضاً: فَهُوَ عَلَيه الصَّلاة والسَّلَام لَا يَأتي إلَّا بالأكمل، وهو أفضل مِن تَركِهِ إِجْمَاعاً، والنقل الضروري حاصل بِأَنَّهُ لَمْ يُواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أَنَّهُ أتى في نحو الوضوء والصلاة بالنيَّة مع النطق، ولَم يثبت أَنَّهُ تَركه، والشكُ لا يُعارض اليقين.
(1) رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك بلفظه في كتاب المناسك باب (38) من قرن الحج والعمرة، ر 2968، ص 249. وأحمد المسند عن أنس بلفظه، 3/ 187.
: