الجزء الخامس
الجزء ٦ · صفحة ٥١٢512
معارج الآمال - الجزء الخامس
ناس، فما زال يقول كَذَلِكَ حَتَّى رجع الناس كُلّهم وَلَمْ يبق معه إِلَّا رجل واحد أعور فقال عيسى: ما لك يا فتى؟ ألم تُصِب ذنباً؟ فقال: أَمَّا ذنب أعلمه فلا إِلَّا أَنِّي كُنت يوماً أصلِّي فمرَّت بي امرأة فنظرتُ إليها بعيني هَذِهِ فما جاوزت المَرأَة حَتَّى أدخلت إصبعي في عيني فانتزعتها فأتبعتها المرأة، فقال عيسى: أنت صاحبي، قم فادْعُ حَتَّى أَوْمِّن عَلَى دعائكَ فدعا الرجلُ وأمَّن عيسى عَلَى دعائه فتخلَّلت السماء سحاباً، ثُمَّ صبَّت عَزَاليها فسقاهم الله مطراً تاماً، وغيثاً عاماً». (والعزالي: الأفواه التي ينصب منها الماء من السحاب).
ولا يشكل عليك قلع العين بأنَّه مُحرَّم في شرعنا، فكيف يحلّ ذلك؟ فَإِنَّه قد حرّم في شرعنا ما لَمْ يُحرَّم في غيره. وقد كانت توبتهم بقتل فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِيكُمْ (1)، ثُمَّ حرم ذلك في
أنفسهم
شرعنا بقوله تَعَالَى: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)
فكَأَنَّ هذا الرجل لَمَّا أَذنبت عينه جعل توبته قلعها، كما أن توبتهم أنَّ
من عبادة العجل قتل أنفسهم، وناهيك أن نبي الله عيسى قد اختاره مع
ذلك.
وكان أهل الجاهلية يستسقون في جاهليتهم. أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكَّة وهم في قحط، فقال قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال / 377/ فهَلُمَّ فاستسق، فخرج أبو طالب معه غلام (يعني: النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّه شمس دجن تجلت
عن سحابة
(1) سورة البقرة، الآية: 54
(2) سورة النساء، الآية: 29.