المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨معارج الأمال
ونيَّة المُؤمِن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع، نيته، فإن نوى بالطاعة رياء وسُمعة انقلبت معصية، وَالله أعلم. والمباحات تنقلب طاعَة بالنيَّة فَلَا يَنبغي للعاقل أَن يَتعاطى أَفعاله تعاطي البهائم المُهملة، فتصدرُ أفعاله عنه بسهو وغفلة، فأغلب حظوظ النفس من المباح الأكل والنوم والنكاح؛ فَينوي في الأكل التقوي للجسم على العبادة، وينوي في النوم استراحة الجسم لينشط للقراءة والعِبَادَة، وينوي بالنكاح تحصين الفرج وإحراز الدين وطلب الولد لعِبَادَة الله تَعَالَى تكَثِيراً لأمَّة مُحَمَّد؛ فينبعي للعاقل المريد للآخرة أن يقيس الأفعال المُبَاحَة على هَذِهِ الثَّلَاثَة المذكورة، ويُحسن النية في جَمِيعها
جميع
حَتَّى تصير طاعة الله تَعَالَى وعِبَادَة.
وَأَمَّا المعاصِي / 122 / فلَا تُؤثّر فيها النيَّة، ولَا تَنقَلِبُ بِها الله تَعَالَى قُربَة وطَاعَةً مِثل مَن يَعْتابُ إِنسَاناً تَطييباً لِقَلب مُسلِم أو يُطعم فقيراً من مَالِ غَيره طلباً للأجر، فهَذا كُلُّه جَهالة واغترارٌ لِقولِ الرَّسُول: «إِنَّمَا
الأعمال بالنيات». فالنيَّة لا تُؤَثّر في إخراج الفِعْل عَن گونه ظلماً ومعصية، بل قصده الخير بالشرِّ على خِلَاف مُقتَضَى الشَّرْع شَرع آخَرِ، فَإِن عَرفِهِ فَهُوَ مُعَانِدٌ للشرع، وإن جَهِلَه كَانَ عَاصِياً بالجهلِ وَارتكاب الفِعْل، إذ «طَلَبُ العِلمِ فَريضَةً على كُلِّ مُسلِمٍ» (1)»، وبالله التوفيق.
(1) رواه ابن ماجه، عن أنس بن مالك بلفظه كتاب (1) السُنَّة، باب (17) فضل العلماء والحث على طلب العلم، ر 244، ص 34. وأخرجه حمزة الجرجاني: تاريخ جرجان، عن أنس بلفظه، ر 555، 316/ 1.