معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الخامس

الجزء ٦ · صفحة ٥٩٦

596

معارج الآمال - الجزء الخامس

والاستغفار حذراً عن الملل بالمداومة، وتفرجاً بالانتقال من نوع عبادة إلى نوع آخر؛ ففي الاستطراف والاستجداد لذة ونشاط، وفي الاستمرار استثقال وملل، ولذلك لم تكن الصَّلَاة سجوداً مُجرداً، ولا ركوعاً مجرداً، ولا قياماً مجرَّداً بل رتبت العبادة من أعمال مختلفة وأذكار متباينة، فإن القلب يدرك من كُلّ عمل منها لذة جديدة عند الانتقال إليها، ولو واظب على الشيء الواحد لسارع إليه الملل. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «مَنْ عَبَدَ اللهَ تَعَالَى عِبَادَةً ثُمَّ تَرَكَهَا مَلَالَةٌ مَقَتَهُ الله» (1)، فليحذر أن يدخل تحت هذا

الوعيد.

ومعناه: لولا المقت والإبعاد لما سلطت الملالة عَلَيْه، فإذا اتَّخَذ لنفسه طريقاً إلى الآخرة داوم عَلَيْه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» (2)؛ وذلك لأنَّ النفس تألف به، وتداوم عَلَيْه بسبب

الإقبال.

وَالحَاصِل: أن العمل القليل مع المداومة خير من العمل الكثير مع

ترك المراعاة والمحافظة.

وقد بالغت الصوفية في هذا حَتَّى إنَّهم أنكروا ترك الأوراد كما ينكرون ترك الفرائض. واعتلوا بأنَّه إذا ترك الطاعة بغير ضرورة فكأَنَّه أعرض عن عبادة المولى فيستحق المقت بخلاف المداوم على الباب حيث يستحق أن يجعل من الأحباب.

(1) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ.

(2) رواه البخاري عن عائشة بلفظه، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ر 6464، 233/ 7. ومسلم، مثله كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، باب فضيلة العمل

الدائم من قيام الليل وغيره، ر 783، 541/ 1.