معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء السادس

الجزء ٧ · صفحة ٢٤

24

معارج الأمال - الجزء السادس

بمذمَّتِه وهذا يزيده ذكر المَوت من الله، بعداً، وَأَمَّا التائب فإنَّه يذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف والخشية فيفي بتمام التوبة. ورُبَّما يكره الموت خيفة أن يختطفه قبل تمام التوبة، وقبل إصلاح / 22/ الزاد، وهو معذور في كراهة الموت، ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (1)، فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله، إِنَّمَا يخاف فوت لقاء

،

الله لقصوره وتقصيره وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلاً بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يُعَدّ كارهاً للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه وَإِلَّا التحق بالمنهمك في الدنيا. وَأَمَّا العارف فإنَّه يذكر الموت دائماً؛ لأنه موعد للقائه لحبيبه، والمحبّ لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت ويُحبّ مَجيئه ليتخلَّص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رَبِّ العالمين. كما روي عن حذيفة أَنَّهُ لَمَّا حضرته الوفاة قال: «حبيب جاء على فاقة لا أَفْلَحَ مَن نَدم، اللَّهُمَّ إن كنتَ تَعلم أنَّ الفقر أحبُّ إِلَيَّ من الغنى، والسقم أحبّ إِلَيَّ من الصحة والموت أحبّ / 23/ إِلَيَّ من العيش فسهل عليَّ المَوت حَتَّى ألقاك».

فإذا التائب معذور في كراهة الموت وهذا معذور في حُبِّ الموت وتَمنيه، وأعلى منهما رتبة مفوّض أمره إلى الله تعالى، فصار لا يختار لنفسه موتاً ولا حياة؛ بل كون أحبّ الأشياء إليه أحبّها إلى مولاه، فهذا قد

انتهى بفرط الحبّ والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية والمنتهى

(1) رواه البخاري، عن عبادة بن الصامت بلفظه كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله، ر 6507، 245/ 7،ومسلم مثله كتاب الذكر والدعاء .. .، باب من أحب لقاء الله … ،

ر 2683، 2065/ 4.