معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء السادس

الجزء ٧ · صفحة ٣٥

كتاب الجنائز

35

على قدم الاستقامة في الظاهر وَلَمْ يصرّ على معصيته في الباطن: قالوا: فما سمعنا ولا علمنا أن مثل هذا يُختم له بسوء أبداً، ولله الحمد على ذَلِكَ بخلاف من غلب عَلَيهِ حبّ المَعاصِي الوقوع فيها من غير توبة، فَرُبَّما نزل عَلَيهِ المَوت قبل التوبة، فيصدمه الشيطان عِندَ تلك الصدمة، ويخطفه عِندَ تلك الدهشة - والعياذ بالله تَعَالَى - فيظهر شقاؤه للناس عند موته.

وقد يكون العبد مستقيماً طول عمره ثُمَّ يغير ويبدل إذا قرب أجله ويخرج عن طريق / 37 الاستقامة، فيكون ذَلِكَ سبباً لسوء خاتمته وشؤم عاقبته. كما وقع لإبليس فقد ورد أنَّه عبد الله مع الملائكة ثَمَانين ألف سنة، وكذَلِكَ بلعام بن باعوراء الذي أعطاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض واتباعه هواه، وكذَلِكَ برصيصا العابد الذي روي أن الله تَعَالَى قال في حقه: كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ اكْفُرْ} (1).

وملخص قصته: أَنَّه كان إذا لَمس مصاباً بالجنون أو بالصرع برئ فحصل لابنة الملك خَبَل في عقلها فأرسلوها إليه لتبيت تحت صومعته في البريَّة، فأتاه إبليس فقال له: ازنِ بِهَا فَإِنَّها غائبة عن حِسِّها، فلما فعل ذَلِكَ قال له إبليس: يُخاف أن تكون شعرت بذَلِكَ فتهتكك بين الناس فاذبحها وادفنها، فإذا جاء جماعة الملك لطلبها فقل لَهُم: إِنَّها برئت وذهبت فإِنَّهم يصدقونك، ففعل ما أشار به عَلَيهِ إبليس، ثُمَّ إن إبليس ذهب إلى الملك في صورة عابد وقال له: إن برصيصا قد فسق في ابنتك وخشي أن تكون شعرت بذَلِكَ فتُعلمكم إذا / 38/ أفاقت فقتلها ودفنها في كوم الرمل قريباً من صومعته، وسيقول لكم إنَّها برئت وذهبت إليكم فلا تصدقوه، فأرسل

(1) سورة الحشر، الآية: 16.