معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء السادس

الجزء ٧ · صفحة ١٤٨

148

من

معارج الأمال - الجزء السادس

وعن الاحتمال الثاني أنَّ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، كيف وقد قال: «حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ كَحُكْمِي عَلَى الجماعة». وعن الاحتمال الثالث أَنه لا يُظن بعائشة أنها ترجّح قياسها على خبر صح معها عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وإن قال / 202/ بترجيح القياس على خبر الآحاد جمع الأصوليين؛ فإنَّ الصحابة كانوا عَلَى خلافه، فقد كانوا يبحثون عن القضية فإن وجدوا فيها أثراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجعوا إليه وتركوا نظرهم، وإن لم يجدوا فيها شيئاً، اجتهدوا رأيهم، وصار ذلك معروفاً مشهوراً فيما بينهم حَتَّى جعله بعضه إِجْمَاعاً أخذا من أحوالهم فإنهم ما بين عامل ومصوّب وساكت لم ينكر، وبنوا عَلَى ذَلِكَ قاعدة قالوا فيها: «لا حظ للنظر عند ورود «الأثر»، والمُرَاد به الأثر عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن أشكل على جمع من العلماء المتقدمين والمتأخرين معنى هذا الكلام فظنُّوا أنَّ المُرَاد بالأثر ما وجد من الأقوال في الكتب مأثوراً، ويأبى الله أن يكون ذَلِكَ فإِنَّه لو صح هذا التوهم لبطل الاجتهاد؛ لأنَّه /203/ يقتضي وجوب اتِّباع المجتهد الثَّانِي للأَوَّل وإن رأى خلاف ما رأى، وهذا لا يصح. وسبب الإشكال: اختلاف الاصطلاح في معنى الأثر، فإنَّه في الزمان الأَوَّل يطلق عَلَى المَنقُول عن رَسُول، ا ل له، ثُمَّ تغيَّر ذَلِكَ في الزمان الثَّاني فأطلق عَلَى المَنقُول عن الصحابة خاصة، ثُمَّ تغيَّر في الزمان الآخر فأطلق عَلَى كُلِّ منقول مرسوم عن الأشياخ في الكتب.

فاختلاف الاصطلاح أشكل على الأفهام، وحال بينها وبين فهم ما عناه الأول في هذا الكلام، ونظيره ما وقع في لفظ التقليد، فإنَّه كان في اصطلاح من تقدم من أشياخنا يطلق عَلَى أخذ قول الغير من غير مبالاة