الجزء السادس
الجزء ٧ · صفحة ٢٨٢282
6
معارج الأمال - الجزء السادس
قُلتُ: لكن في كلام أبي طاهر المعتزلي - صاحب ركن الدين - ما يَدُلُّ عَلَى إنكاره حيث قال: ولا يثبت القول بوجوب عذاب القبر؛ لأنه ليس في ذَلِكَ إجماع ولا نص ظاهر قال والذي روي في ذَلِكَ فأخبار آحاد لا توجب العلم، هَذَا كلامه مع قوله بتجويزه على وجه لا يبطله العقل، فهو عِندَه مُمكن غير ثابت لعدم الدليل عَلَى ثوبته في زعمه، وقد قال غير واحد: إن الأخبار فيه متواترة لا يصح عليها التواطؤ، وقالوا: وإن لَمْ يصح مثلها لَمْ يَصِح شيء من أمر الدين.
وأنكره بعض أصحابنا أيضاً، وتوقف فيه أبو الحسن وأبو نبهان وصالح بن سعيد وغيرهم من المُتأخرين لتعارض الأدلة عِندَهم بتقادم الزمان حيث صار المتواتر في حكم الآحاد بانقطاع الرواة وتفرق
الاجتماع. والجَوَاب: أن حكم المتواتر لا ينتقل عن / 386/ أصله، كيف وقد قالوا: إن المعتبر في التواتر ما تواتر في القرون الثلاثة، وهي قرن الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم، ثُمَّ إِنَّه ما من فرقة من الفرق الإسلامية إلا ونقلت عذاب القبر فهو مستفيض في جَمِيع الأمة، وإن أنكره من أنكره منهم، فإن إنكارهم إِنَّمَا جاء في استبعاد الإحساس للميّت بناء على حكم الوهم في العادة، وَالحَقُّ أن أمر الآخرة مُخالف للعادات فلا يمكن القضاء عليها بالأحكام المعتادة في الدنيا.
احتج من أنكره بقوله تَعَالَى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأولى (1)، قالوا: والتعذيب إما أن يكون في حال موته وهو مُحال، وَإِمَّا
(1) سورة الدخان، الآية: 56.