الجزء السادس
الجزء ٧ · صفحة ٢٨٩كتاب الجنائز
289
الحشر؛ لأنَّهم كانوا ينكرونهما، ويُمكن أنَّهم لَمْ يعتبروا حياة القبر؛ لأنَّها حياة في حكم الموت للانقطاع عن الجنس والانفراد بالحبس، ولأنها تعدّ من مقدمات الحياة الثانية كما يَدُلُّ عَلَيهِ حديث: «نَم نَومَةَ العَرُوسِ»، وانم نَومَةَ السَّلِيم»، وحق لمثل هَذِه الحالة أن تضمَّ إِلَى ما بعدها؛ لأَنَّها لا تسبق في الأذهان عند سرعة الجَوَاب في مقام الدهش والحيرة، إنَّها حياة مستقلة. ثُمَّ تفسير الموت بالعدم الأصلي // 396/ مجاز يحتاج إلى قرينة، ولا يكفي ذلك كونه موجوداً في بعض آيات القرآن؛ لأنَّ لِكُلِّ تَجوّز قرينة، وَإِلَّا لالتبست الحقيقة بالمجاز، ويكون الواضح مشكلاً.
ومنها قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (1) فأخبر بأنَّهم أحياء، ونَهى عن عدهم في الأموات، وإذا كان كذلك فأضدادهم من الكفَّار يجب أن يكونوا في عذاب القبر إذ لا قائل بالفرق، فمن أثبت التنعيم أثبت التعذيب.
أجاب أبو طاهر بوجهين: أَحَدُهُما: أَنَّهُ لَو سَلَّمنا بذَلِكَ، لَمْ يلزم به حجَّة في عذاب القبر؛ لأنَّه يجب أن يكون أضدادهم أمواتاً كما كانوا هم أحياء؛ لأنَّ ضد الحياة الموت.
قُلنَا: مَحَلَّ الاستدلال قوله تَعَالَى: عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا وَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (2) فإن هَذِه الأحوال كُلّها دالَّة عَلَى تنعيمهم، فضدّهم
عَلَى ضِدَّ ذَلِكَ.
(1) سورة آل عمران الآية: 169.
(2) سورة آل عمران الآيتان: 169 - 170.