الجزء السادس
الجزء ٧ · صفحة ٢٩١كتاب الجنائز
291
إذا مَاتَ المَرء عَاشَ بِعظم ميت فذاكَ المَيِّتُ حَيٌّ وهُو مَيت قلنا: هذا مسلم في لفظ الحياة، فما تصنع بقوله: {يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ
يمَا وَانهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بهم (1) فَإِنَّه خبر لا يقبل التمثيل أصلاً، وَإِلَّا لتوجه احتمال التمثيل في جميع الأخبار الإلهية وهذا باطل؛ إذ لو صح لالتبس الحَقُّ بالباطل والصدق بالكذب، تَعَالَى الله عما يقول المبطلون علوّاً كبيراً، فهم كما أخبر رَبُّنا عنهم أَمَّا قوله: «لأنَّ ذَلِكَ يوجب أن يكون جميع الأنبياء بل جميع
قطعاً
المُؤمِنين أحياء في الوقت والأمر بخلاف» فنحن لا نُسَلّم به بوجوه: أَحَدُها: أنَّه قد وردت أخبار بثبوت الحياة للأنبياء بعد موتهم وكذَلِكَ / 399/ المُؤْمِنون؛ لأنَّ التنعيم لَهُم إِنَّمَا يكون لحياة ناموا فيها
نومة العروس. وَثَانِيها: أنا نقتصر عَلَى النص، فقد أخبرنا رَبَّنا بحياة الشهداء عَلَى الوصف المذكور، فنحن لا نزيد عَلَى ذَلِكَ الإخبار بنفس القياس؛ لأنَّ الأمر غيب، والإخبار بالمغيبات بنفس القياس كذب صريح.
وَثَالِتُهَا: يَحتمل أن تكون هذه الخصوصيَّة للشهداء مكافأة لَهُم عَلَى بذلهم أنفسهم لإظهار دين الله وإعلاء كلمته، ولا يلزم من ذَلِكَ تفضيلهم عَلَى الأنبياء؛ لأنَّ المفضول قد يختص بمزية لا تكون للفاضل.
وأَما قوله: «فلو كانوا أحياء في الحَقِيقَة، لوجب أن يراد بـ «عند» مكان «لديه»» فغير مسلَّم به؛ لأنَّها نظير قوله تَعَالَى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكِ مُقْتَدِرٍ (2)، فلو لزمت المكانية هنالك للزمت هاهنا، ومن المعلوم
(1) سورة آل عمران الآيتان: 169، 170. (2) سورة القمر، الآية: 55.